التناقض في منطق الاعتراف العربي بإسرائيل!

بقلم: جواد البشيتي

وزراء الخارجية العرب أعلنوا وأكَّدوا رفضهم مطلب (أو شرط) إسرائيل الاعتراف بها على أنَّها "دولة يهودية"، فالدول العربية، وفي مقدَّمها دول "لجنة مبادرة السلام العربية"، وبموجب ما تضمَّنته المبادرة نفسها من "التزام عربي مشروط"، في ما يخصُّ مسألة اعتراف العرب بدولة إسرائيل، لا تقف ضدَّ مبدأ الاعتراف بإسرائيل؛ لكنَّها لن تعترف بها، ولا تقبل للمفاوِض الفلسطيني، المفوَّض عربياً، أنْ يعترف بها، على أنَّها "دولة يهودية"، تخصُّ "الشعب اليهودي" فحسب؛ لأنَّ في هذا الاعتراف ما يعود بضرر كبير على اللاجئين الفلسطينيين، وحقوقهم المعترف بها دولياً في قرار الأمم المتحدة الرقم 194، وعلى ما يسمَّى "عرب إسرائيل".

الدول العربية، ولجهة اعترافها بإسرائيل، تندرج في فئتين اثنتين: فئة اعترفت (مصر والأردن) من خلال معاهدات للسلام بينها وبين إسرائيل، وفئة تَنْتَظِر، أو لم تعترف بعد، أو لن تعترف قبل أنْ يلبِّي الإسرائيليون الشروط والمطالب العربية التي تضمَّنتها "مبادرة السلام العربية"، التي اسْتُحْدِثت لها لجنة (عربية) تُعنى، فحسب، بتفويض، أو عدم تفويض، "المفاوِض الفلسطيني".

و"الإجماع العربي"، الذي عكسه "قرار" وزراء الخارجية العرب رفض الاعتراف بإسرائيل على أنَّها "دولة يهودية"، يشمل، أي يجب أن يشمل، إذا ما أريد للمنطق أن يشغل حيِّزاً من السياسة العربية، الدول العربية "المُعْتَرِفة"، فَلِمَ تعتصم هذه الدول بحبل الصمت، ولا تُصْدِر بياناً تؤكِّد فيه، وتوضح، أنَّ اعترافها بإسرائيل لم يكن، ولن يكون، اعترافاً بها على أنَّها "دولة يهودية"؟!

الدول العربية جميعاً لن تعترف بإسرائيل على أنَّها "دولة يهودية"؛ وهذا إنَّما يعني، من وجهة منطقية، أنَّها يمكن أن تعترف بإسرائيل على أنَّها دولة "لا يهودية"، أو (على وجه التعيين) على أنَّها دولة "ثنائية القومية"، أي دولة تتألَّف من قوميتين (عربية و"يهودية").

والدول العربية "المُعْتَرِفة" يكفي أن توضِّح "معنى" اعترافها بإسرائيل على ذلك النحو حتى تقيم الدليل على أنَّ السلام ممكن (نظرياً وواقعياً) من دون أن يلبِّي الفلسطينيون، والعرب "غير المُعْتَرفين بعد"، مطلب (أو شرط) إسرائيل الاعتراف بها على أنَّها "دولة يهودية".

لكن نتنياهو، وعلى ما قال غير مرَّة، تصريحاً أو تلميحاً، يميِّز اعترافاً من اعتراف، فالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل لن يأتي بالسلام إذا ما كان نسخة من الاعتراف العربي، فإنَّ للفلسطينيين، وعلى ما أوضح نتنياهو، وأكَّد، "اعترافهم الخاص بهم بإسرائيل"، أي ضرورة أن يعترفوا بها على أنَّها "دولة يهودية".

نتنياهو لا يُنْكِر، وليس في وسعه أن يُنْكِر، أنَّ إسرائيل دولة ثنائية القومية من الوجهة الديمغرافية، ومنها فحسب، على ما يعتقد ويُصِر، فإسرائيل، على ما يَعْرِفها هو، وعلى ما يريد للفلسطينيين أن يَعْرِفوها ويعترفوا بها، "دولة يهودية"، تعيش في إقليمها "أقلية عربية (فلسطينية)" لا تَمْلُك أيَّ حقٍّ من حقوق المِلْكية القومية في هذا الإقليم، الذي هو جزء فحسب من "الوطن القومي والتاريخي" لـ "الشعب اليهودي"، الذي "تنازل" إذ اكتفى بهذ الجزء إقليماً لدولته، وإذ ارتضى "استضافة" تلك "الأقلية القومية العربية" في "وطنه"، مُسْبِغاً على كل مُنْتَمٍ إليها نعمة "الجنسية الإسرائيلية"، التي لن يظل الاحتفاظ بها مستقبلاً زهيد الثمن!

نتنياهو "الطيِّب"، "المتسامح"، "الكريم"، "المُحِب للسلام"، والذي ينطوي على شيء من "ليبرمانية" ليبرمان؛ لكن من غير أن يَعْدِلها، "تنازل تنازلاً مؤْلِماً (له) مزدوجاً، فهو قَبِل "استضافة" جزء (ضئيل) من "الشعب الآخر"، أي من الشعب الفلسطيني، في "بيت إسرائيل"، ويمكن أن يَقْبَل (بعد قبوله "حل الدولتين") مَنْحَ "الشعب الآخر" جزءاً من "أرض الشعب اليهودي"، هو "يهودا" و"السامرة"، ليبتني فيها "بيتاً" له، على أنْ يكون بيتاً يُعَزِّز، ولا يُضْعِف، أمن "البيت اليهودي".

ولو سُئِل نتنياهو عن السبب الذي يَحْمِله على الإصرار على أن يلبِّي الفلسطينيون مطلبه الاعتراف بإسرائيل على أنَّها "دولة يهودية" لأجاب (ولقد أجاب) على البديهة قائلاً "لأنَّ الفلسطينيين لا يريدون دولتين لشعبين"، فرئيس الوزراء الإسرائيلي اكتشف "خللاً"، أو "عيباً"، في "حلِّ الدولتين"، هو عدم تَضَمُّنه ما يؤكِّد أنَّ "الدولتين" ستكونان "دولتين لشعبين"؛ وكأنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي يتَّهم الفلسطينيين بأنَّهم يفهمون "حل الدولتين" على أنَّه حلٌّ يعطيهم دولة تخصهم وحدهم، ويَجْعَل، في الوقت نفسه، أو يمكن أن يجعل، إسرائيل دولة تخصُّ الشعبين معاً.

أمَّا نتنياهو "المعتدل تفاوضياً"، فيُتَرْجِم "اعتداله" هذا بتشدُّده في رفض كل شرط مسبق لبدء المفاوضات (المباشِرة) أو للاستمرار فيها حتى نهايتها؛ ولقد أقام الدليل على أنَّه هو نفسه لا يَضَع شروطاً إسرائيلية مسبقة من خلال قوله، غير مرَّة، إنَّ إسرائيل لا تشترط لبدء المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، أو للمضي فيها قُدُماً، أن يعترف بها الفلسطينيون على أنَّها "دولة يهودية"؛ لكنَّها، في الوقت نفسه، لا تقبل "حلاًّ نهائياً" لا تتضمَّن الاتفاقية الخاصة به اعترافاً فلسطينياً بها على أنَّها "دولة يهودية"؛ وكأنَّ معادلة نتنياهو التفاوضية هي أن تبدأ المفاوضات المباشِرة، وتستمر، من غير أن يشترط الفلسطينيون وقف النشاط الاستيطاني، ومن غير أن يشترط الإسرائيليون (في المقابل) أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل على أنَّها "دولة يهودية".

إذا نتنياهو قَبِل حلاًّ لمشكلة الحدود يقوم على مبدأ "خطُّ الرابع من حزيران 1967 هو الحدود النهائية والدائمة بين الدولتين" فإنَّ الفلسطينيين يقبلون بقاء المستوطنين في إقليم دولتهم، يتمتَّعون بالحقوق نفسها التي يتمتَّع بها "عرب إسرائيل".

أمَّا إذا رفض، وأصرَّ على حلٍّ نهائي، قوامه "دولتان لشعبين"، فإنَّ عليه أنْ يَقْبَل "مبادلة ديمغرافية وجغرافية" قوامها ضم تلك المناطق من إسرائيل التي يقطنها "عرب" إلى إقليم دولة فلسطين في مقابل ضم تلك المناطق من الضفة الغربية التي يقطنها يهود إلى إقليم دولة إسرائيل.

وأحسب أنَّ تحقُّق هذه "المبادلة (التاريخية)"، ببعديها الديمغرافي والجغرافي، لا يبقي على السبب الذي من أجله يدعو نتنياهو الفلسطينيين إلى الاعتراف بإسرائيل على أنَّها "دولة يهودية". جواد البشيتي