المقاومة في لبنان يجب أن تكون على شاكلة الجيش والشعب

بقلم: حسان القطب

الكلام العالي النبرة والخالي من كل معايير وأدأب احترام المواقع الرسمية وما تمثل، والقيادات السياسية والقضائية والأمنية وما ترمز إليه، الذي أطلقه علناً وعلى محطات تلفزيونية تابعة ومؤيدة لحزب الله، المدير العام السابق للأمن العام جميل السيد، كان إشارة واضحة الدلالة، على عدم صدق نوايا هذا الحزب وعدم جدية طروحاته حول الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية لمواجهة الاستحقاقات الداهمة التي تبشرنا بها مراكز القوى في حزب الله من ناحية ومؤسسات دولة إسرائيل من ناحية أخرى.
إذا كان مؤيدو حزب الله ومحور الممانعة يخاطبون القيادات السياسية بهذا الشكل وبهذه الوقاحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف تتجاهل المراجع الأمنية والقضائية هذا الأمر ولا تقوم بأية خطوة إجرائية بحق من أطلق هذا الكلام التهديدي والتصعيدي.
فأي وطن نحن نعيش فيه، وأية مؤسسات نحن نستند إليها ونطلب منها رعاية أمننا واستقرارنا ومستقبل أبنائنا، وأية استثمارات مالية سوف تتدفق على لبنان لتامين فرص العمل لأبنائنا، وكيف يشعر مستثمروها بالطمأنينة في حال استمر الحال على هذا المنوال حيث تطلق التصريحات التصعيدية بالتناوب وبالتكافل والتضامن بين جميل السيد وناصر قنديل ووئام وهاب ومحمود قماطي ونعيم قاسم وعلى رأسهم وفي مقدمهم مفكر حزب الله نواف الموسوي وآخرين ممن يطلق عليهم حزب الله وإعلامه، تحبباً أو جزافاً، بالمعارضة السنية.
مصدر امني مطلع، اعتبر أن هذه التصريحات المؤسفة والتحريضية بل والتهديدية في أحيان كثيرة، يبدو أن الهدف منها هو التمهيد أو تهيئة الأجواء لخطوة ما. وأشار إلى أن ما جرى مؤخراً في برج أبي حيدر من اشتباكات تجاوزت في ضراوتها وحدتها ما يمكن وصفه وتوصيفه بالحادث الفردي، إضافةً إلى عمليات الخطف التي رافقت تلك الاشتباكات والاستنفارات والتعزيزات التي واكبت ما كان يجري حينها من عمليات عسكرية، تؤكد أن حزب الله قد استكمل استعداداته في الداخل اللبناني وليس في الجبهة الجنوبية، وأن الحديث عن حرب إسرائيلية محتملة هو مجرد ذر للرماد في العيون. واشار الى أن تسليح بعض القوى والمجموعات الصغيرة التي يمولها حزب الله في المناطق المختلفة من لبنان تحت عنوان وشعار "المقاومة" لم يعد ينطلي على احد، وما تشهده الساحة اللبنانية من تزايد مطرد لحوادث القتل والاشتباكات المتفرقة هنا وهناك بين عائلات متنافسة أو بين مجموعات متباينة يؤكد مدى خطورة انتشار السلاح غير الشرعي، ويضع مزيداً من العبء على كاهل القوى الأمنية وبخاصة الجيش اللبناني، الذي تدخل ويتدخل مراراً وتكراراً لوقف هذا المسلسل المربك والمجهد والذي لا يخدم دور الجيش وجهوزيته لمواجهة التهديدات المتزايدة على الحدود الجنوبية، خاصةً وان الحملة السياسية والإعلامية التي يقودها حزب الله على القوى الأمنية وتحديداً قوى الأمن تضعف من فاعليتها ودورها. وتساءل هذا المصدر قائلاً: كيف تكون شعبة المعلومات عبارة عن ميليشيا خارجة عن القانون ومن يقودها ضباط في قوى الأمن؟ والسلاح المنتشر في شوارع بيروت ولبنان هو سلاح مقاوم شرعي ويجب رعايته وحمايته؟
مصادر إسلامية، وجهات عديدة في الشارع الإسلامي عبرت عن غضبها واستنكارها لاستمرار الحملات المغرضة التي تطال كل مواقع الطائفة السنية في السلطة اللبنانية وتحديداً رئاسة الوزراء وسماحة المفتي وصولاً للجيش وقوى الأمن وسواهم، وتساءلت: ماذا لو قام أحد السياسيين أو الإعلاميين بمهاجمة نصرالله بالحدة نفسها واستعمل العبارات عينها التي استعملها جميل السيد أو وئام وهاب وسواهم؟ هل يقبل حزب الله بهذا الأمر وهل من الممكن أن تستقر الأمور في لبنان بهذا الشكل؟ ومن الذي روج ومارس التزوير منذ اليوم الأول لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ من بث الفيلم الملفق عن احمد أبو عدس ودوره في عملية الاغتيال؟ ومن روج لدور مجموعة الـ 13 واعترافاتها بقتل الحريري؟ أليس هو نفس الإعلام والمجموعة السياسية نفسها! حتى أن جميل السيد عاد بالأمس ليروج لنظرية دور مجموعة الـ13 في عملية الاغتيال. ربما نسي أن نصرالله قد قرر أن يوجهنا باتجاه إسرائيل بعد أخر مقابلة تلفزيونية له وهذا يستلزم المزيد من التنسيق بين كافة الأبواق لتوحيد السيناريوهات، وتوجيه الاتهامات. وقالت هذه المصادر أن استمرار هذه الممارسات المتمادية غير مرضية على الإطلاق وأخرها كان حرق مسجد البسطا الفوقا دونما مبرر أو سبب، بل بما يعبر عن حقد دفين لدى هذا الفريق يتجاوز الخلافات السياسية والتباينات الإقليمية. كان على نصرالله أن يقدم اعتذارا علنياً للطائفة السنية على ما بدر من مجموعاته في ذلك اليوم الأسود. كما تساءلت هذه المصادر عن جدوى استصدار التصريحات من بعض العناوين السياسية التي لا تمثل شيئاً على الساحة الإسلامية واعتبرت أن هذه الخطوة التي يقوم بها حزب الله إنما تؤجج مشاعر الغضب ولا تخدم الوحدة الوطنية في شيء على الإطلاق ودعت هذه المصادر حزب الله وملحقاته إلى وقف هذه الممارسات والتصريحات والتهديدات حتى لا تنحدر الأمور وتتجه إلى ما هو أسوأ. وقالت هذه المصادر إن الغضب يتعاظم والشعور بعدم الثقة يتزايد: فإلى أين يقود حزب الله البلاد؟ وإذا كان جميل السيد يريد أن يأخذ حقه بيده، فكيف يطالب الحريري بنسيان دم والده وبإلغاء المحكمة الدولية؟ وهل باقي ضحايا الاغتيالات والاعتداءات الذين سقطوا على امتداد سنوات علينا أن ننساهم أيضاً؟ وهل هي قضية شخصية أو عائلية حتى تعالج بهذا الشكل.. أو أنها قضية وطنية تمس كل مواطن لبناني؟
مصادر مسيحية، اعتبرت أن إعادة فتح ملفات الحرب اللبنانية واعتبار هذا الطرف أن الميليشيات المسيحية وحدها المسؤولة عن الحرب اللبنانية ونتائجها وتداعياتها فيه الكثير من التجني والافتئات على المجتمع المسيحي في لبنان لأن واقع الأمر يؤكد أن كافة القوى اللبنانية على اختلاف تنوعها وطوائفها خاضت الحرب ومارست فيها أبشع الممارسات لذلك لا يمكن تحميل طرف وحده وبعينه هذه المسؤولية وبالتالي فإن اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية وأعاد صياغة السلطة في لبنان يجب احترامه والالتزام بروحه ونصه وتطبيقه للخروج من دائرة التجاذب ومنع العودة إلى الصراع الداخلي ومنطق الغلبة والهزيمة. وأشارت هذه المصادر إلى أن البعض من الفريق الأخر الذين يسعون لفتح ملفات الحرب الأهلية وباتجاه واحد إنما يحاولون العودة بالبلاد إلى مرحلة نتمنى تجاوزها ونسيانها بالكامل. واستطردت هذه المصادر قائلةً: أنه إذا كان لحزب الله وفريقه ملاحظات على اتفاق الطائف ويرغبون في تعديله أو تغييره فليتم الإعلان عن هذا الأمر صراحةً، ولا ضرورة لمحاولة التشكيك بل ونهش وتمزيق باقي مكونات المجتمعات اللبنانية وهتك خصوصياتها للوصول إلى هذه النتيجة أو لإعلان هذه الرغبة، لأن الاحتفاظ بالسلاح الذي يملكه حزب الله وملحقاته بهذه الطريقة وبناءً على المشهد المؤلم الذي شاهدناه حين أصاب مدينة بيروت بالدمار مرات عدة، حيث استعمل هذا السلاح بكثافة وبغزارة ودون وازع أو رادع، يعطينا الانطباع أن لا ضمانات بأن لا يستعمل هذا السلاح مجدداً في بيروت أو في مكان أخر وتحت ذريعة وأسباب مشابهة لما تسبب به إشكال برج أبو حيدر، وسابقاً خلال غزوة السابع من أيار/مايو المجيدة كما وصفها نصرالله نفسه.
خلاصة القول، أن كافة هذه المصادر اعتبرت، بل أجمعت على أن المقاومة ضرورية لمواجهة أي عدوان أو اعتداء خارجي وهي حاجة عند كل استحقاق أمني يستهدف الكيان اللبناني ووجوده. ولكن هذه المقاومة يجب أن تكون على شاكلة الجيش والشعب. فالشعب اللبناني يتكون من 18 طائفة والجيش اللبناني يضم في عديده وصفوفه وقياداته مختلف الطوائف ومكونات المجتمع اللبناني. لذلك هو جيش وطني يطمئن له المواطن اللبناني، لأن ما يطلق عليه اليوم أسم المقاومة هي مجموعة تضم في صفوفها فقط طائفة بعينها ويطلق قادة حزب الله على هذه الطائفة، جمهور المقاومة وشعب المقاومة، ومن يتابع إعلام حزب الله يرى التسميات والأوصاف التي تطلق على هذه المقاومة. إذاً هذا الكم من السلاح والمسلحين هو في خدمة طائفة وجمهور وحزب بعينه؟ والتكامل بين الشعب والجيش والمقاومة لا يكون إلا ببناء مقاومة وطنية تضم كافة أبناء الوطن وتكون مقاومة وطنية قرارها بيد السلطة السياسية ودورها ترسمه قيادة الجيش.. فلا يستطيع أي طرف أن يستعمل هذا السلاح أو المسلحين للإستقواء على أبناء وطنه أو لتهديد السلم الأهلي والعيش المشترك، وبالتالي يصبح الشعب اللبناني كله شعب المقاومة وجمهور المقاومة لا طائفة بعينها، وتكون المقاومة حينها على شاكلة الجيش والشعب. حسان القطب
مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات hasktb@hotmail.com