فشل المفاوضات.. و«نجاحها»

بقلم: محمد السهلي

مع انفراط عقد المحتفلين بإطلاق المفاوضات المباشرة، بدأ بنيامين نتنياهو هجومه «التفاوضي» على جبهات عدة متحدثا عن مفاوضات تستمر عقودا عدة بعد أن ضمن الموافقة الأميركية على هدف الوصول إلى اتفاق إطار يعِّوم القضايا الرئيسية للصراع.
وبينما ينظر المفاوض الفلسطيني إلى تاريخ 26/9 كمؤشر ضروري على التزام إسرائيلي مفترض بتمديد فترة التجميد الجزئي للاستيطان، تتحدث الإدارة الأميركية عن «حلول إبداعية» بما يخص الاستيطان مقترحة صدور إعلان إسرائيلي عن استمرار التجميد. فيما يتواصل البناء في الوحدات الاستيطانية التي أعطيت بشأنها عطاءات سابقة.
وهذا يعني استمرار الحالة السابقة حيث استطاعت الحكومة الإسرائيلية إكمال بناء 3000 وحدة استيطانية منذ إعلان قرار التجميد الجزئي حتى عشية إطلاق المفاوضات المباشرة.
في ظل مؤشرات انسداد أفق المفاوضات لجهة تحقيق حل سياسي متوازن وشامل للصراع، تروُّج أوساط الفريق الفلسطيني المفاوض لمقولات لا تنسجم مع خطورة المرحلة الراهنة، وتساوي ما بين نجاح هذه المفاوضات وفشلها وفق منطق تبسيطي وسطحي يقول بأنه في حال ثبتت صحة موقف معارضي انطلاقة المفاوضات وخطأ موقف المفاوض الفلسطيني فإنه يجري التسليم بصحة الموقف المعارض ويتم الخروج من المفاوضات بلا خسائر، وأنه في حال جرى التقدم في المفاوضات فإن الأمر سينتهي أيضا بلا خسائر، وسيتوقف الموضوع عند هذا الحد. ولا داعي لأن يسجل أصحاب المواقف المتقابلة نقاطا على بعضهم البعض.
خطورة هذا الطرح تكمن من أن أصحابه يقفزون عن حقيقة التداعيات التي يؤدي إليها وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، على الأقل من زاوية الاستمرار في السياسات التجريبية التي ينتهجها المفاوض الفلسطيني منذ 19 عاما على الأقل وإصراره على طرق باب المفاوضات بغض النظر عن العتبة التي عليه تجاوزها لدخول قاعة المفاوضات. وكل جولة تفاوضية من هذا النوع تشكل بحد ذاتها فرصة للاحتلال الإسرائيلي كي يواصل تحت غطائها توسعة الاستيطان وتسعير حملات التهويد. وهذا ما أثبتته التجربة المريرة والمديدة الماضية، وخاصة بأن الجانب الإسرائيلي يعمل في غرفة عمليات مشتركة مع «الراعي» الأميركي على إنتاج حلول تسمى بالوسط لتمرير عمليات البناء الاستيطاني تحت مسميات مختلفة وهو يستثمر إلى أقصى حد الضغط الأميركي المتواصل كي لا تنقطع هذه المفاوضات في أي مرحلة من مراحلها لما يشكله ذلك من إحراج للإدارة الأميركية وقد وجدت في إطلاق المفاوضات إنجازا كبيرا يحسب لها ويعينها في ملفات داخلية وخارجية في آن معا.
لكن ما يجب أن يحسب له بجدية هو الاحتمال الذي يطرحه المفاوض الفلسطيني ويتعلق بإمكانية نجاح هذه المفاوضات. والسؤال المشروع هو بماذا ستنجح وعلى حساب من؟
فما يطرحه نتنياهو حول عناصر الاتفاق الذي يسعى لإبرامه ومن ثم آليات تطبيقه وجدوله الزمني المستقبلي لا يترك مجالا لحل وسط ينتمي إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية. ولا تتوافر لدى إدارة أوباما أي مصلحة وبالتالي إرادة سياسية بأن تضع المواقف الإسرائيلية في المسرب الذي نريد، بما يخص القضايا الأساسية للصراع التي يعمل نتنياهو على تأجيل مجرد نقاشها إلى مراحل متأخرة من المفاوضات بانتظار وقت أميركي أكثر حرجا مما هو عليه الآن، كما فعل عند تسويفه في جدول أعمال المفاوضات غير المباشرة. مما دفع بإدارة أوباما لأن تحرق وقت تلك المفاوضات وتضغط على الفلسطينيين باتجاه «المباشرة».
كان على المفاوض الفلسطيني أن يستخلص ما هو ضروري من المنحى الذي سار وفقه الموقف الأميركي منذ خطاب أوباما في القاهرة وحتى اليوم. فجميع التراجعات التي أصابت هذا الموقف كانت «تفهما» للاعتبارات الإسرائيلية. وواشنطن تواصل الآن هذا النوع من الأداء في إيجاد حلول وسط تجاه موضوعة تمديد فترة تجميد الاستيطان لأن اقتراحها يشرع بناء نحو 2500 وحدة استيطانية وهذا يدفعنا للحديث عن تكتيك منهجي يلجأ إليه الجانب الإسرائيلي ولم يتوقف عنده إطلاقا المفاوض الفلسطيني.
فمنذ انطلاق مسيرة المفاوضات قبل نحو عشرين عاما، تلجأ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى إصدار عشرات العطاءات الاستيطانية وترسمِّها في دوائرها الحكومية المختصة وتعتبرها خزان احتياط بالمعنى السياسي وورقة يمكن إشهارها في أي عقدة تفاوضية تتعلق بالاستيطان تحت دعوى بأن لهذه الشقق المشمولة بالعطاءات أصحاب قاموا بالاكتتاب عليها ودفعوا جزءا من ثمنها وتم توقيع عقود قانونية بهذا الشأن مع الجهات التي تقوم بالبناء وبذلك لا يجوز حرمان هؤلاء من حقوقهم التي يكفلها لهم القانون في إسرائيل. ولو قام أي من الباحثين بدراسة جدية حول عدد الوحدات الاستيطانية التي يجري تداولها بهذا الأسلوب لوصل إلى رقم يصعب تصديقه.
وأي حديث عن نجاح لهذه المفاوضات يستدعي التدقيق من زاوية مصير أم القضايا، قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها. هل ستكون من أولى القضايا التي يقصدها نتنياهو عندما تحدث عن تأجيل القضايا الرئيسية إلى مراحل متأخرة من المفاوضات، وهل ستكون من القضايا الأخيرة على جدول التنفيذ الزمني الذي يقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي امتداده عشرات السنين؟
وإذا كانت واشنطن وتل أبيب توافقتا على الالتفاف على موضوعة تجميد الاستيطان بالشكل الذي طرحناه، فما هو مستقبل الاستيطان برمته، بناء ومستوطنين، وما هي قدرة المفاوض الفلسطيني في هذه المرحلة على فرض ترحيل البنية الاستيطانية خارج الضفة وهو الذي لم يتمكن من الثبات عند مطلبه في تجميد الاستيطان فترة المفاوضات على الأقل؟ في هذه الحالة أيضا.. عن أي اختراق أو نجاح يمكن أن يجري الحديث.. ولصالح من؟
أريئيل شارون أعلن بعيد استلامه مقاليد رئاسة الوزراء للمرة الأولى في العام 2001 عن وفاة اتفاق أوسلو، وكان المقصود طبعا القسم الخاص بالالتزامات الإسرائيلية تجاه إكمال «نبضات» تسليم بعض مناطق الضفة إلى السلطة الفلسطينية. واليوم تنقل وسائل إعلام مختلفة عن نتنياهو أنه يريد العودة بالمفاوضات إلى ما قبل أوسلو. وربما سيطالب المجتمع الدولي بإيجاد تعريف خاص «جديد» للاحتلال غير الذي ورد في أدبيات الأمم المتحدة وقراراتها، وهو الذي قال عن الفلسطينيين في معرض كلمته في افتتاح المفاوضات الحالية بأنهم «يقيمون بيننا» باعتبارهم أصحاب الأرض «الأصليين» ونحن الذين ننازعهم إياها.
لقد أوصل بنيامين نتنياهو بالتعاون مع الأداء السياسي الأميركي المفاوضات إلى نقطة الخطر على الحقوق الوطنية الفلسطينية، ولذلك كان على المفاوض الفلسطيني ألا يعبر بوابة هذه المفاوضات. وهذا يعيدنا إلى ما سبق أن طرحناه حول المنطق السطحي والتبسيطي الذي يتناول باستخفاف تداعيات فشل هذه المفاوضات، ومساواته أيضا مع «نجاحها» دون أن يتعرض لا من قريب أو بعيد لخيار رفض دخول هذه المفاوضات.
وإذا احتسبنا ما ينتج عن الفشل أو «النجاح» في إطار المشاركة، وقارناه بما يمكن أن يتولد من تداعيات في حال رفضها فإن تحكيم منطق المصلحة الوطنية يشير بداهته إلى أن الخيار الأخير هو الأصوب والأقل كلفة. وإذا كانت المفاوضات كمشهد سياسي ضرورة أميركية لهذه الدرجة فمن واجب واشنطن أن تدافع عن هذه الضرورة بالبحث عن مفاوضات تمتلك الحد الأدنى من القواعد والأسس التي تكفل نجاحها بمعيار الوصول إلى حل متوازن وشامل للصراع. لأنه بدون ذلك لا توجد ضمانات لدى أحد من أن تداعيات الفشل وكذلك «النجاح» بمعيارهم لن تصيب جميع الأطراف ذات الصلة.. بما في ذلك تلك التي تعتقد بأنها في منعة من ذلك. محمد السهلي