الدبكة الشعبية في سوريا: تراث عريق يعكس التنوع الاجتماعي

'والليلة ما في رواح'

دمشق - تحتل الدبكة مكانةً هامة بين أنواع الرقص الشعبي السوري حيث يعتبر هذا النوع من الرقص متنوعا نتيجة التنوع الطبيعي الذي تزخر به البيئة السورية بين الساحل والداخل وفي السهل والجبل مروراً بالأرياف والمدن والبادية.

واقترنت الدبكة بالموضوع الشعبي كاحتفالات الأعراس والمناسبات الاجتماعية والقومية، ويتميز هذا النوع من الرقص بطابعه الجماعي وحيويته وأصالته الفنية.

ويصنف الشاعر الحمصي وجيه وهبه الخوري في كتابه مبحث في الدبكات السورية ثمانية أنواع من الدبكة هي "الدبكة الغربية" و"اللوحة" و"النسوانية" و"الطبيلة" و"البداوية" و"الدندشية" و"النشلة" و"العثمانية".

ويشرح الباحث في الفنون التراثية فوزي صياصنة أنواع الرقصات الشعبية للدبكة في محافظة درعا بقوله "هناك العديد من أنواع الدبكة في درعا وسهول حوران أهمها الرقصة العادية التي تؤديها البنات وتقوم على ميلان الجسم من الخصر فما فوق على أنغام ودقات الدف والغناء والتصفيق".

ويوضح أن في درعا رقصات متنوعة من الدبكة كـ"الكرجة" التي يرافقها عزف على الشبابة والمجوز والتصفيق إضافةً إلى دبكة "البداوية" التي يؤديها زوج من الفتيات والشبان يرقصان فيها بالخناجر وسط حلقة متراصة تتصاحب مع إلقاء للشعر الزجلي والشعر البدوي حيث تعتمد الكرجة على خفة الحركة والرشاقة.

ويضيف صياصنة أن منطقة حوران السورية تذخر بأنواع عديدة من رقصة الدبكة كـ"الجوفية" و"الحورانية" و"الفلسطينية" و"الشمالية" و"الدرازية" و"الميجة" و"السحجة" وهذه الأخيرة عبارة عن رقص إفرادي مختلط أو زوجي في حلقة دائرية تصفق وتصيح نداء "دح يوبا" وأحياناً "يا بو الحيش يا بو الحوش" حيث تسمى عندها بـ"الحاشي".

وترتدي المرأة في هذه الدبكة عباءةً وتحمل سيفاً تضرب به الراقص الذي يتعرض لها أو يعاكسها فإذا أصابت منه مضرباً خرج ليدخل غيره وهكذا.

وتختص كل منطقة في سورية برقصاتها ودبكاتها، ويذكر الراقص الشعبي مصباح اسماعيل باشا من فرقة الشهباء الحلبية أنواعاً متنوعة من الدبكات الموجودة في حلب أشهرها "الولدة" و"القبا" و"الشيخاني" و"القوسر" و"الطقأزلي" و"الدملي" و"الحلبي" و"العربية" و"الغزاوية" و"الصاجية".

ويوضح الباشا أن الدبكات الحلبية عبارة عن رقصات متوازنة يختلف بعضها عن بعض بخطواتها وسرعاتها حيث يسيطر الإيقاع البطيء في دبكات "الولدة" و"القبا" و"الشيخاني"، فيما يغلب الصخب والسرعة والديناميكية في دبكات "الغزاوية" و"الصاجية"، و"خصوصاً أن الدبكة الحلبية تتضمن موازين للخطوة والنقلات اشتقها الحلبيون من رقص السماح الصوفي إلا أن قوامها الدبك على الخطوة السادسة متشابهة في ذلك مع الدبكة الحورانية".

وتشكل الخطوة ميزاناً إيقاعياً في رقص الدبكة حيث تنوط بضغط الخطوة التي تختلف من مكان لآخر في سورية فالدبكة "الآشورية" و"الطرطوسية" ترقص على الخطوة الرابعة بينما في دبكة "هالأسمر اللون" السريعة في حلب يكون الدبك على إيقاع الخطوة السابعة والنقر في الخطوة الثامنة أما باقي الخطوات فهي عبارة عن مشي موضعي وموقع.

وتختلف مراوحة راقصي الدبكة الدبيكة بين منطقةٍ وأخرى حيث يؤدي أهل جبل العرب دبكة "الهولية" على الخطوة الرابعة والسادسة متممين باقي الرقصة مشياً فيما يدبك أهل حماة دبكة "البرزية" على جمل خماسية ويؤدي أهل اللاذقية دبكة "اللوحة" على جمل سباعية وهكذا.

وتعتبر الدبكة السورية عبارة عن رقص مشترك بين جمهور يقوم بتمثيله مجاميع الشبان والشابات أيام الأعراس والمواسم يشترك فيه من يشاء ممن يحسن القيام بحركاته وسكناته وله إلمام بجميع أنواعه وايقاعاته وأشعاره المقفاة من عتابا وميجانا و"فروقات الزلوف والمعنا".

ويتخذ الشباب هذا النوع من الرقص الشعبي الفطري مدعاةً للفخار بنسبهم وشبابهم وتفننهم الحركي عبر براعتهم في الرقص الخالي من الخلاعة والتهتك معتمدين على الدبكة كنوع من الرياضة البدنية تارةً لمباراة الأدباء والقوالين الشعبيين وتارةً للتلذذ بأقوالهم ومأثوراتهم فيما تتخذ النساء من الدبكة مناخاً للرقص والغناء والطرب حيث تقسم دبكات الشباب إلى أنواع عدة أهمها العشارية..العرجاء..الشرقية.

ويفرق الباحث مجدي العقيلي بين الرقصات التعبيرية وبين الدبكة وألوانها العديدة التي تستعرض فيها سائر الألوان والمواضيع الشعبية كموضوع الحصاد وقطف الزهور والنجارة وقطاف القطن والزيتون وغيرها من المواضيع العملية إضافةً إلى العادات وطرق الأدعية والتصوف التي تستعرضها هذه الدبكات.

ويعرف مدرب الرقصات الشعبية عدنان منيني الدبكة بأنها اسم أطلق على مجموعة من الخطوات والحركات المتسلسلة مع ضربات أقدام منظمة يشارك الجسم بها للتعبير عن حيوية الشباب ونعومة الفتيات وأنوثتهن في عفوية حلوة وبراءة فطرية حيث ترافق ضربات الأقدام نقرات الطبل والبزق والبنجير.

ويضيف منيني أن طقس الدبكة يبدأ من دار العريس الفسيحة أو ساحة داره حيث يعقدون حلقة للدبكة غير مكتملة منقسمة إلى قسمين بداية من أطولهم قامةً فالأقصر حتى الأخير إذ يدعى رأس حلقة الدبكة ب السندة دبيك أول لأنه يسند الدبيكة ويقودهم ضابطاً حركتهم وسيرهم كما تقتضي أصول الرقصة إلى أن يأتي شاب من المشهود له بقيادة الدبكة وإتقانه لجميع أنواعها حاملاً سيفاً أوعصا بيده أو منديل مطرز الأطراف بحرير ملون فيثير حلقة الدبكة ويحمسها حسب الأصول وهذا ما يسمونه بـالقيدة.

كما يقوم في وسط حلقة الدبكة شاب يحسن النفخ في المزمار أو الشبابة أو شاب يتقن قرع الطبل فيطلب القيدة قائد الدبكة من ضارب الطبل أن يدبكه للدبكة العربية فيفتتحها بالإيقاع المطلوب ليلحق به السندة الدبيك الأول بنقل الرجلين وحركة الجسم بضبط وإتقان ليكون قدوة للشباب الذين بعده في خطواته الموزونة وتنقلاته المتقنة.

ويرافق الدبكة أنواع عديدة من الغناء يختلف في إيقاعه وسرعته حسب نوع الدبكة فبينما تؤدى بعض الدبكات دون غناء لخفتها ورشاقتها ورزانتها ووقارها كدبكات الشمس والطيارة والمرصود في دير عطية تؤدى أنواع من الدبكات مثل الدلعونا واللا اللا والمعنى ويالأسمر اللون والهولية بغناء ذي سرعات مختلفة.

وتدبك البنات دبكات هادئة عند جلب العروس ثم يغيرنها إلى دبكة مستعجلة تشتمل على الوثب والنط والقفز والحركات السريعة إلى أن يسلمنها للشباب أمام بيت العريس لتبدأ دبكة "السحجة" كما في منطقة جبل العرب والرقة فيبدأ التصفيق بإيقاع رتيب يبدأ بوقوف الرجال متكاتفين بشكل قوس مرددين كلمة "أحيو" مع كل تصفيقة لينفرد بعدها واحد من الرجال عن الصف مستعرضاً الراقصين مردداً عبارة "والليلة ما في رواح".

ومن الدبكات الأكثر شهرةً في الريف السوري دبكة "المثلثة الطرطوسية" و"كرجة الشيخ بدر" و"كرجة زيدل" و"دبكة الدلعونا" و"نخة الشيخ بدر" ودبكة "زين يابا الثمانية" و"الشبة" و"الدراجة الرقاوية" و"الماني الديرنجية" ودبكة "حران العواميد" ودبكة "الحنة الحورانية".(سانا)