رسالة إلى مؤتمر المثقفين

بقلم: مهدي بندق
المشكلة ليست في موطن الحضارة

إثر قراءته لكتابي "البلطة والسنبلة- إطلالة على تحولات المصريين" سألني الصديق الصحفي وائل السمري في حوار نشرته جريدة اليوم السابع: اعتبرت الحضارة "كلاً واحداً" ألا يقضي هذا الاعتبار على خصوصية الإنتاج الحضاري لكل شعب أو إقليم، وهل تعتقد أن الحضارة الفرعونية تلاشت تماما؟
يومها استغرقت إجابتي على هذا السؤال الهام صفحات مطولة، واليوم - وبمناسبة تحضير وزارة الثقافة المصرية لمؤتمر المثقفين - أعود لألفتُ إلى أن كل حضارة منتصرة يتم قبولها بسرعة، على خلاف الثقافة التي تحتاج وقتاً أطول، وجهداً نفسيا وعصبيا أشد لامتصاص "الفكر" المحايث لهذه الحضارة. مثلاً يجد العرب مشقة بالغة في هضم وتمثل أفكار الحضارة الغربية التي تتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية ومساواة المرأة بالرجل، فضلا عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة ...الخ.
وبالمقابل لا أحد في عالمنا العربي يتأبى على منجزات الحضارة الغربية، بل يتسابق الجميع علي طلبها والتغني مباهجها، بقدر ما ينصرفون عن الحضارات الغاربة بمخلفاتها "المتحفية" كالحضارة البابلية القديمة، والحضارة الفرعونية، والحضارة العربية الإسلامية التي اضمحلت جميعاً ساعة حل محل أنساقها – على مستوى الواقع المادي - منظوماتُ الحضارة الأوربية منذ القرن السادس عشر.
وآية ذلك أن العراقيين قد توقفوا عن استخدام الخيول والحمير للانتقال بين المدن مستبدلين بها القطارات والسيارات، ولم يعد أهل الخليج يقبلون عند إجراء عملياتهم الجراحية بأسلوب ابن سينا في التخدير (ضرب الرأس بالمطرقة؟!) ولا مشاحة في أن الجزائريين لا يبنون اليوم مصانعهم بعلم الحيل (بداية الميكانيكا)، كما لا يسقي مصريو العصر حقولهم بالشادوف، بل يعملون على إطلاق الطاقة الكهربائية من المفاعل النووي الذي هو نتاج الحضارة الغربية دون أدنى شك.
عاد المحاور الماكر يسألني: إذن جغرافيا الغرب انتصرت؟ فكان جوابي: الجغرافيا إحدى معطيات الطبيعة، وكانت فيما مضى ذات أثر كبير في مسألة العمران (بمصطلح ابن خلدون). الآن حلت محلها "الجغرافيا السياسية" بمعني إضافة البشر للمكان. فالغربيون اليوم يعمرون القطبين الشمالي والجنوبي، وأعماق البحار، وبالتوازي يسبرون علاقة العقل بالمخ، والاثنين بالبيولوجيا والفيزياء علمياً وفلسفياً. فانظر كيف غيرت حضارة الغرب "المادية" ثقافة شعوبه. وبالطبع لم يُجر هذا في يوم وليلة، بل تطلب ذلك صراعاتٍ بل حروباً بالضد على الكنيسة وسائر مؤسسات الفكر الأصولي المرتكزة على مصالح ولى زمانها وأمست عوائق تقف بوجه سيل التطور الجارف، فكان ضرورياً إزالتها.
المشكلة إذن ليست في موطن الحضارة، بل فيما تورثه من ثقافات، ونحن ورّثتنا حضارتنا الغاربةُ النفورَ من التغيير، فبقيت أوضاعنا ثابتة، بقدر تعلقنا بكون "نتوهم" ثباته لأسباب محض ثيولوجية.
فهل يضع مؤتمر المثقفين القادم هذه الإشكالية ضمن أجندته؟ مهدي بندق
رئيس تحرير مجلة "تحديات ثقافية" tahadyat_thakafya@yahoo.com