السعودية تبحث عن ولي عهد خارج دائرة الطاعنين بالسن

أين الاحفاد في التغيرات المتوقعة؟

الرياض - يسعى الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل السعودية الى إدخال المزيد من الدماء الجديدة في حكومته للمساعدة في تبديد صورة الحكام الطاعنين في السن وتهدئة المنافسة المحتدمة داخل الأسرة الحاكمة.
والاستقرار السياسي في المملكة مثار قلق عالمي. فالمملكة تحوي اكثر من خمس احتياطيات العالم من النفط الخام وهي العمود الفقري للسياسة الأميركية بالمنطقة ومن كبار أصحاب الأصول الدولارية وبها اكبر بورصة عربية.
وعادة لا تؤثر التغييرات على القمة على سياسة السعودية في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) لكنها قد تؤثر على الإصلاحات التي بدأها الملك عبد الله البالغ من العمر نحو 86 عاما لتخفيف سيطرة رجال الدين على المجتمع وجذب المستثمرين للمساعدة في توفير فرص عمل للمواطنين السعوديين البالغ عددهم 18 مليون نسمة.
والكثير من الشخصيات البارزة في الأسرة الحاكمة في السبعينات او الثمانينات من العمر في دولة لا يوجد بها برلمان منتخب أو أحزاب سياسية وحيث تطبق المحاكم المذهب الوهابي. كما أن الكثير من التكنوقراط الذين يساعدون في تطبيق الإصلاحات متقدمون في السن أيضا.
وكانت مجلة بريطانية مرموقة قد عبرت عن قلق يسود الأوساط الغربية من احتمالات الخلافة في السعودية، البلد العربي الكبير الذي يحكم من قبل زعيم تجاوز الثمانين من العمر.
واعتبرت مجلة الايكونوميست ان قضية تداول السلطة في البلاد العربية مشكلة حقيقية، لكنها أصبحت قضية حرجة خصوصا في السعودية لانها تعتمد نظام "الأصلح" التفضيلي ذا المعايير المطاطة.
وتنحصر الخلافة في السعودية بأبناء (أو أحفاد) مؤسس الدولة الحديثة عبدالعزيز آل سعود، إلا أن تراتبية الأمراء الذين يمكن أن يخلفوا الملك عبدالله بن عبدالعزيز (86 سنة) من أبناء الملك المؤسس تحفل برجال تقدموا في العمر وأصاب المرض بعضهم.
ونظريا، فان الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد هو المرشح لخلافة أخيه، لكنه يصغره بسنة واحدة وقد قضى وقتا طويلا مؤخرا خارج البلاد للعلاج من مرض لم يكشف عنه.
وذكرت أن تسمية الأمير نايف بن عبدالعزيز في منصب نائب رئيس الوزراء جعلته يحتل موقع "ولي العهد المنتظر"، الا أن شبكة العلاقات الأسرية داخل آل سعود وتقدم عمر الأمير نايف وطبيعة علاقاته وتشدده تجعل الاختيار معاكسا لتوجهات الملك عبدالله الانفتاحية التي أرساها خلال سنوات حكمه.
واعتبرت المجلة أن الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير الرياض، والأمير مقرن بن عبدالعزيز رئيس الاستخبارات هما الخياران الاكثر قوة بالنسبة للأسرة الحاكمة، وإن كان دور الأمير سلمان قد يبرز كحكم في اختيار منْ يجلس على العرش أكثر منه مرشحا له.
لكن أوساطا في السعودية تقول أن السلطة قد تتجاوز الجيل الأول من ورثة عبدالعزيز آل سعود لتصل إلى الأحفاد الذين يتقدمهم "المحمدان"، الأمير محمد بن نايف نائب وزير الداخلية القوي والأمير محمد بن فهد أمير المنطقة الشرقية.
وتعد إشاعات مرض الأمراء الكبار جزءا من المشهد السياسي في السعودية وتؤخذ محمل الجد نظرا لتقدم أعمار الكثير منهم.
ورغم أن الملك عبدالله أسس هيئة البيعة التي تتألف من الأحياء من أبناء الملك المؤسس أو من يليهم من ابناهم إذا كانوا متوفين أو عاجزين أو معتذرين، وهي الهيئة التي يرجع اليها في اختيار الملك في حال وفاته أو عجزه، إلا أن محللين اعتبروا أن وجودها جاء في الأصل للحد من نفوذ الأخوة السديريين (الأخوة الأشقاء من أبناء الملك عبدالعزيز الذين يسمون على اسم أخوالهم).
وأشاروا إلى أن السديريين لا يمثلون إلا خمس أعضاء الهيئة، كما أن الملك عيّن أخاه الأمير مشعل بن عبدالعزيز على رأسها مما يضمن توجيهها بعيدا عنهم.
وتمثل السعودية بمواردها النفطية الهائلة واقتصادها الكبير مصدر اهتمام غربي متواصل خصوصا بعد التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي شهدتها ونتج عنها صعود تيارات إصلاحية ومتشددة على حد سواء.
وعلى مدى العامين المنصرمين عين الملك تكنوقراطا في بعض الوزارات أو في البنك المركزي او قطاع النفط الحكومي لدعم إصلاحاته لكن وفاة وزير العمل الشهر الماضي عن عمر يناهز 70 عاما كانت بمثابة تذكرة بأن هناك حاجة الى دماء جديدة.
ومما زاد المخاوف إعلان الديوان الملكي في اغسطس/ آب إن الأمير سلمان امير الرياض وهو عضو رئيسي بالأسرة السعودية الحاكمة خضع لجراحة في العمود الفقري بالولايات المتحدة.
وكان هذا النبأ مفاجاة للدبلوماسيين لأن الأمير سلمان الذي يبلغ من العمر نحو 74 عاما والذي تظهر صورته بشكل شبه يومي في الصحف السعودية هو أحد الأمراء البارزين الأصغر سنا الذين ينظر اليهم على أنهم يتطلعون للمناصب العليا.
وحتى الآن تقتصر الخلافة على ابناء مؤسس الدولة الحديثة عبد العزيز بن سعود. ولم يعد هناك سوى نحو 20 منهم على قيد الحياة ويقول دبلوماسيون ومحللون إن بعضهم في حالة صحية سيئة.
ولتوسيع نطاق المرشحين للمناصب ستحتاج الأسرة الحاكمة الى فتح المجال لما بين 600 و900 حفيد كثير منهم يشغلون مناصب في الحكومة او قطاع الاقتصاد او الاعلام.
لكن سايمون هندرسون الذي كتب عدة دراسات عن الخلافة السعودية قال إن هذا يثير خطر احتدام المنافسة داخل أسرة آل سعود.
وقال هندرسون الذي يعمل بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى "لا يوجد مؤشر على أن هذا سيحدث الآن. الابناء ما زالوا يريدون أن يصبحوا ملوكا وأن يتركوا شيئا لابنائهم ايضا".
ولتنظيم عملية الخلافة أنشأ الملك عبد الله "هيئة البيعة" لكن مهامها وسلطاتها الرئيسية غير واضحة.
ويقول دبلوماسيون إن الخلافة ستنتقل لمرة أخرى واحدة على الأقل لأحد ابناء عبد العزيز بن سعود وإن وزير الداخلية القوي الأمير نايف وعمره نحو 76 عاما هو المرشح الأبرز بعد ترقيته الى منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء اثناء غياب الامير سلطان ولي العهد لفترة طويلة بسبب مرضه العام الماضي.
وقال دبلوماسي غربي "هذا سيعطيهم مزيدا من الوقت للوصول الى إجماع والى آلية بشأن كيفية دمج الأحفاد المنحدرين من جميع الأفرع الرئيسية".
ويشعر الليبراليون بالقلق على الإصلاحات اذا تولى الحكم الأمير نايف أحد اكثر الأمراء تبنيا للاتجاه المحافظ لكن المحلل السياسي تيودور كاراسيك يرى أن هناك آخرين في السباق مثل رئيس الاستخبارات الأمير مقرن الذي يبلغ من العمر نحو 67 عاما ويعتبر من الجيل الأصغر بين أفراد الأسرة الحاكمة.
وللأسرة الحاكمة سجل حافل من النجاحات في الاتفاق في الرأي مع رجال الدين الذين ساعدوا في تأسيس المملكة عام 1932 لكن دبلوماسيين قالوا إن التنافس بين الأمراء محتدم منذ سافر الامير سلطان ولي العهد الى الخارج للعلاج.
وقالت المملكة إن الأمير سلطان الذي يعتقد أنه في منتصف الثمانينات من عمره شفي.
وقال دبلوماسيون إنه كان يعالج من السرطان.
ويقول مسؤولون إن الأمير سلطان يمارس عمله على النحو المعتاد وتنشر وسائل الإعلام صورا له وهو يبدو بصحة جيدة لكن الدبلوماسيين يقولون إنه لا يظهر كثيرا منذ عودته في ديسمبر كانون الأول، وغادر منذ اسابيع الى المغرب لقضاء اجازة خاصة حسب وصف وسائل الاعلام السعودية الرسمية.
ويقول دبلوماسيون ومحللون إن بعض مهام ولي العهد انتقلت فيما يبدو بشكل غير رسمي لأمراء آخرين في الوقت الحالي.
وبرز اسم الامير خالد بن سلطان وعمره نحو 61 عاما ويشغل منصب مساعد وزير الدفاع منذ حرب حدودية مع المتمردين الحوثيين الشيعة في اليمن العام الماضي وقال دبلوماسيون إنه مرشح لمنصب وزير الدفاع الذي يشغله والده منذ عام 1963 .
والأمير نايف وولده محمد البالغ من العمر نحو 51 عاما والمسؤول عن مكافحة الإرهاب ازدادا انخراطا في التعامل مع اليمن وهو ملف ظل في أيدي الأمير سلطان لعقود. ونجا الأمير محمد بن سلطان العام الماضي من محاولة اغتيال دبرها تنظيم القاعدة.
في الوقت نفسه رقى الملك عبد الله ابنه متعب وعمره نحو 57 عاما الى نائب قائد الحرس الوطني.
ويقول دبلوماسيون إن من بين الشخصيات الأخرى التي تجدر متابعتها في الأسرة الحاكمة امير مكة الإصلاحي خالد الفيصل ابن الملك الراحل فيصل وشقيق وزير الخارجية المخضرم سعود الفيصل.
ويرى هندرسون إنه حتى اذا برز ابناء سلطان ونايف وعبد الله وغيرهم فإنهم ما زالوا بحاجة الى بقاء آبائهم في الحكم لترقيتهم وحمايتهم.
وتطبيقا للإصلاحات استعان الملك عبد الله بتكنوقراط جدد أبرزهم أول امرأة تشغل منصب نائب وزير التعليم.
وقال كاراسيك "على الرغم من أن الوجوه لم تتغير في وزارات الخارجية والمالية والنفط في الآونة الأخيرة فإن من المرجح أن يكون الدور عليها بسبب أمور صحية الى جانب التغيير الضروري".
وقد يتقاعد الأمير سعود الفيصل الذي تولى منصبه عام 1975 لاعتلال صحته لكن دبلوماسيين يقولون إن أفراد الأسرة الحاكمة لم يتفقوا بعد على خليفة له. وخضع الأمير سعود أيضا لجراحة بالعمود الفقري عام 2009.
ومن الشخصيات المخضرمة الأخرى التي يعتبر من الصعب استبدالها وزير البترول علي النعيمي (75 عاما) الذي تولى منصبه عام 1995 .
ويرى محللون أن المرشح الرئيسي الأصغر سنا سيكون خالد الفالح رئيس شركة أرامكو عملاق النفط السعودية وهو منصب تولاه العام الماضي فقط. ويمكن أن يكون من المنافسين الآخرين عبد العزيز بن سلمان نائب النعيمي وابن الأمير سلمان الذي يعمل بالوزارة منذ اكثر من 15 عاما.