ماذا بعد الانسحاب الجزئي من العراق؟

بقلم: صباح علي الشاهر

عبثاً البحث عن فقيه سياسي يدلنا على الفرق بين "تحرير العراق" و"الفجر الجديد"، ولعله أمر بالغ الصعوبة إيجاد من يوضح لنا كيف يمكن أن تتحول مهمات جيش الإحتلال من قتالية إلى غير قتاليّة أو مساندة، وما هي حدود هذا التحول؟
أن تحولاً كهذا يستوجبه أمران لا ثالث لهما، الأول أن المحتل أنجز مهماته كافة، وأن البلد المحتل قد تم إخضاعه، وأنه يسير على النهج الذي وضع له، والأمر الثاني أن المحتل أندحر وإنهزم، وبالتالي فهو يتصرف وفق هذا المُعطى.
هذان الإحتمالان يحتاجان بحوث مستفيضة ليس مجالها هذه المقالة الموجزة، لكننا قصد التحصن ضد الوقوع في مستنقع المصطلحات الأميركية الفارغة من أي معنى، نعرض هذا التساؤل: تُرى ماذا يكون موقف هذه القوات التي تغيّرت مهماتها من مهمات قتاليّة إلى مهامات غير قتاليّة، إذا تعرضت لهجمات عسكرية من قبل قوى معارضة لتواجدها، وهو أمر متوقع جداً، هل سترفع بوجهها لافتة "الفجر الجديد" بمهماته اللا قتاليّة، أم أنها وكما هو ديدنها سوف لن تكتفي بالرد على مصادر النيران، وإنما ستدك كل ما هو حولها، بما فيه بيوت المواطنين الذي سيعتبرونهم متواطئين مع المسلحين، أو حواضن لهم؟
هل ستُفعّل نهج الإسناد والمهام غير القتاليّة الذي تريد أن توهمنا أنه بدأ منذ اليوم الأول من أيلول هذا العام، أم أنها ستفعّل النهج الذي تعودنا عليه، وهو نهج التدمير الشامل، الذي لا يميّز بين مسلح ومواطن عادي، بين طفل وامرأة وشيخ ومقاتل صنديد؟
ربما سيقول قائل أن هذه القوات ستعود لمهماتها القتاليّة بشكل طارئ، ثم تعود إلى مهامها غير القتاليّة بعد الإنتهاء من هذا، ولكن ماذا لو أن التعرض إلى القوات الأجنبية سيتواصل، وربما من دونما إنقطاع، وهو الأمر الأكثر توقعاً؟
من المؤكد أن هذه القوات ستواصل الرد، وستستمر بمهامها القتاليّة السابقة، ودونما إنقطاع أيضاً، وما يعزز رجحان هذا الأمر أن الجيش الأميركي الغازي لم يُهيأ إلا لمهمات كهذه، إذ لم يعرف عنه أنه قام بمهمات أخرى غيرها، كمهمات البناء وإعادة التعمير مثلاً، فالعراقي لم ير الجندي الأميركي إلا مدججا بالأسلحة، يطلق الرصاص يميناً وشمالاً، ويقتل الأبرياء بدم بارد، ولم يره يوما يضع طابوقة فوق أخرى، أو يغرس شتلة.
يحتاج المرء إلى كثير من الغفلة ليقع في وهم أن الجيش الأميركي المتبقي في العراق قد غير مهامه، من قتاليّة إلى غير قتاليّة، ليس هذا بمقدوره طالما هو متواجد على بقعة أرض تُوصف بإنها عراقية.
لا تتغيّر مهام جيوش الإحتلال من قتاليّة إلى غير قتاليّة طالماً هي باقية على أرض البلد المحتل، يتم هذا فقط عندما ترحل كلياً عن كامل تراب الوطن المُحتل، وكل ما عدا هذا محض هراء، أو محاولة خداع.
لو قلبنا الأمر على كل جوانبه، فإننا سنواجه حقيقة ثابتة مفادها أن الجيش الأميركي، سواء كان تعداده 150 ألفا أم خمسين ألفاً، فإنه جيش إحتلال، يحتل أرضاً غير أرضه، ويفرض إرادته على شعب آخر، هو بالإجمال معاد لتواجده على أرضه.
العراق منذ التاسع من نيسان 2003، وحتى خروج آخر جندي أميركي بلد محتل، وسيكون بعد خروج آخر جندي أميركي بلدا تابعاً، ستعتمد درجة تبعيته على نجاعة الحراك السياسي الوطني، الذي يستهدف كمحصلة نهائية تحقيق الإستقلال الناجز، الذي ينبغي أن يكون هدف كل الوطنيين.
الوصف الموضوعي للوضع في العراق هو هكذا، ولن تغيّر المسميات المستحدثة أو المُبتدعة، ولا الأسماء والأوصاف شيئاً من هذه الحقيقة الموضوعية، التي على ضوء الإقرار بها يمكن وضع الستراتيجيات المناسبة، والتكتيك الموصل لتحقيق هدف التحرير، والذي سيكون تغييراً جذرياً لمصلحة العراق ككل، والعراقيين قاطبة، دونما تمييز أو إستئثار لفئة أو جماعة. إسترداد وطن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو : كيف نسترد وطننا؟
قد يبدو هذا السؤال صادماً للبعض، فوطننا الذي هو العراق، مازال هو هو، يعيش على أرضه العراقيون.
نعم، العراق هو هو كأرض، لكنه مُقيّد ومُكبل بالإحتلال، والعراقيون فيه هم هم، لكن بلدهم لا يدار من قبلهم، إلا شكلياً، وعلى نحو جزئي، وهذه حقيقة أخرى من دون الإعتراف بها سيصعب، لا بل يتعذر إسترداد الوطن، فأنت لا تسترد الشيء إلا إذا إعترفت بأنه ضاع منك، أو أخذ عنوّة، أما إذا لم تعترف بهذا فإنك ستسهم في ضياع الشيء، عن تواطؤ أو جهل، ومهما كانت الأسباب فإنك ستحصد الوهم في نهاية المطاف، ويصبح الأحق بهذا الوطن هو من يُطالب بإسترداده لا الذي فرّط أو يفرّط فيه.
إن المكابرة لم تعد نافعة ولا مجدية لأحد، فهذا الوطن الذي تؤكد كل الوقائع الشاخصة على أنه سُرق من شعبه وأمته، ينبغي أن يعود لشعبه وأمته. العراق للعراقين وليس لأميركا أو سواها.
على طريق إسترداد الوطن يكون الإنسحاب الجزئي للجيش الأميركي أمر حسن، على أن لا يُعطى حجماً أكبر منه، وأن لا نعتبر نحن العراقين هذا الفعل الجزئي هو الإستقلال، ولا السيادة، وإلا فإننا في هذه الحالة نهين الإستقلال والسيادة ونقزمهما.
الإستقلال مطلوب، وهو الآتي الذي نسعى لتحقيقه و لم يتحقق بعد، والسيادة مطلوبة، وهي الآتية والتي نسعى لتحقيقها ولم تتحقق بعد أيضاً.
ينبغي جعل الإنسحاب الجزئي منطلقاً لإعادة الزهو للعراق، فلم يعد من المكن أن يكون البلد، بين كل بلدان الدنيا، الوحيد الذي يكون أكبر مسؤول فيه آخر من يعلم بدخول العسكري أو السياسي الأميركي إلى البلد، وعن طريق غير الطرق الرسمية والشرعية المعترف بها، منذ اليوم ينبغي أن لا يدخل أي مسؤول أميركي مهما عظم شأنه إلا عن الطرق الأصولية المعترف بها دولياً، ألا يريد الرئيس الأميركي أن يُمد له البساط الأحمر أم تراه يظل مصراً على دخول البلد كاللص!
هل سيرضى رئيسنا أيٍ كان أن يستدعيه المسؤول الأميركي إلى السفارة؟ هل هذا يندرج ضمن مفردات السيادة، أم أن علينا أن نقر أن السيادة مخطوفة منا، وعلينا العمل على إعادتها، وواحدة من أبسط تجليات هذه السيادة، أن يستدعي رئيسنا من يستدعيه من المسؤولين الأجانب إلى مقر عمله، وأن يمد للرئيس الضيف الذي يدخل الدار من بابها البساط الأحمر. صباح علي الشاهر