خطاب تنويري في موروث منسي

بقلم: علي حسين الخباز
دلالات التسامح

يتكون الموضوع البحثي من أساليب وبنى تعكس الخبرة البحثية وخاصة في قضية تسخير المفاهيم التاريخية إلى رؤى واقعية جادة تشكل مشروعا إصلاحيا، وهذه هي الحيوية البحثية التي لا بد أن تسعى للتماثل مع الواقع كي لا تكون بعيدة عنه فتصبح وكأنها تمثل ماضيا ميتا علينا السعي لتماثلات من هذا النوع، لنهيئ الفعل الإبداعي دون اللجوء إلى جرس خطابي ومكرور ممل لا يستطيع استيعاب الحاضر بجميع مكوناته.
ولذلك نرى أن مشروع الباحث العراقي المقيم في لندن د. نضير الخزرجي في بحثه الموسوم "دلالات التسامح في النهضة الحسينية" والذي شارك به في مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي الخامس في (28/7/2009)، وأقامته الأماناتان العامتان للروضتين الحسينية والعباسية المقدستين (كربلاء) والذي تفاعل به مع المستحدث الأسلوبي في نهوض بناء الفكرة الحيوية، إذ استند على بناء علاقة منطقية بين فاعلية التاريخ ومعطيات الوعي سعيا لاستنتاجات مدروسة تستنهض القيم الإنسانية، وللتوضيح سعى إلى دلالات التعريف كمفاهيم قيمية واسعة تعرف لنا التسامح الذي يمثل معطيات الواقع بكل مفرداته.
ويرى الخزرجي أن هذه المعطيات تمثل بؤرا انعكاسية يصل بها إلى مفهوم العلاقة التأثيرية مع الواقع وعلى الواقع أيضا، فيقوم بصياغة الناتج التأثيري مع حجم السعي داخل المكون العام ويعني ثمة معنى واضحا يكشف عن قيم فكرية تشكل البنية النفسية ضمن علاقة محورية تسفر عن ماهية الفرد، وتنتظم هذه البنى ذاتياً لتكون المعطى العام وصولا إلى نتيجة محورية واعية هي صبغة المجتمع.
نتاج فعل تلك المكونات والتي بطبيعة نسيجها سنجد الثنائية النمطية (خير، شر) قراءة واعية تحتفظ بالكثير من المغزى الشعوري دون أن يسحبها إلى منطقة البوح المباشر لما يعني انحسار الخير تحت فضاء الخاص المحدود أمام تعميم شمولي لمؤثرات الشر من غير الاعتماد على القضية النسبية بين عدد الخيِّرين والأشرار.
أسلوب دقيق في تكوين البنية المطلوبة إلا أن تباين الجهد المبذول للنهوض من كبوة الظلم منحنا تقابلات رسمت فضاءات الكينونتين. لأن الشر لا يمكن أن يتلاءم مع مراحل نضوجه إلا بوجود الأجواء المريضة. فضاءات مكونة لأي رأي اجتماعي كي يقيم من خلاله تشخيص لا أبالية الشر فيما يتركه من عبث موجع وانكسارات مريرة تتبلور في خضم نسيج هذه المفاهيم مزايا المجتمع السليم المؤمن بالمثل السامية إذ تستبدل المعنى التاريخي الذي يعبر عن معنى تراثيته إلى حضور دال معبر عن معادلات قيمية تشكل فضاءات حلمية، ولذلك نجد من الطبيعي أن تحتفي الفطرة السليمة لمثل هذه القيم الإنسانية المتوهجة.
ومن هذا المحور تمكن الباحث من تجسيد قيم التسامح حسب مرجعيتها القرآنية وانفتح بعد ذلك على المسند التاريخي ليستحضر الأسس التي قامت عليها الحروب.
تقنية تدوينية أظهرها الباحث سعت إلى العمق الإدراكي من خلال كشف أسس القتال أي لإبعاد السيطرة (العسكريتارية) عن المعنى المتداول المعاش عند القارىء والتركيز على المعتقد السلمي.
فالحروب كانت لا تعادل حجم المنجز السلمي المتحقق حجم الرسالة التي أسست مرحلة انتقالية جذرية، ومن الطبيعي أن تتطلب خوض حروب ابتدائية دفاعية وهذا يعكس الجوهر المتكون لقيم الدين وخصائص البنية الرسالية، أي نقطة الالتقاء الجوهري بين الشخصية الرسالية جوهر المحبة والتسامي وقيم التسامح تعتبر رؤى مستحدثة عند العرب أبعدت عن متنها الشعاري الثأر والإنتقام وتبنت قواعد سلوكية واعية حفزت الناس لتواشج انساني؛ فقيمة التعبير الإيحائي هنا تكشف عن أهمية استحضار مكونات الحاضر أمام عظمة التسامح وكأنه يهيئ الأجواء لاستيعاب تراكمات محزنة لحاضر بائس يقدمها بعد اكتمال صياغة الأطر الجوهرية لماضي لا بد أن يكون مرتكزا لقراءة معاصرة وهذه خصوبة فكرية تؤسس لقراءات بحثية واعية تمثل مهرجاناتنا الثقافية ثمة متسع للفضاء التحليلي.
دلالات كثيرة لا يحتويها انطباع، تفند المزاعم الباطلة وتستحضر استذكارات جدية سلوكية خيرة تدعو لخلق تماثلات واعية حملت التسامح شعاراً للمجتمع الواحد.
وقد سعى الباحث لتبني خطاب تماثل اللحمة بين العمق الرسالي والشاهد الإمامي التبليغي. ثمة تشابه بيئي يستدعي حضور العصمة قوى الإستنهاض الأمثل لترتفع آلية التواشج في جميع سياقاتها بين النهضتين المحمدية والحسينية ولتؤدي دوراً حضارياً يشغل جميع مناطق الصراع بالحب والسلام تعبيرا عن حساسية هذا الاستنهاض المبني على بنية روحية لا علاقة لها في بلورة المفاهيم الآنية كالإنتصار العسكري أو قوانين الميادين الخالية من الرحمة، ولذلك أهدر أكثر من فرصة كان من الممكن أن تبني مرتقيات تخلصه من جعجعة الألف فارس.
ولقد سعى الباحث إلى التركيز على صورة المقاتل "الحر" الذي عاش صحوة الضمير أمام يفاعة التسامح فنجد أن شبكة الدول الساعية لبناء المعنى الكلي لمفهوم التسامح تم استدراجها من قبل الباحث للبحث في مناطق التاريخ واستعادة مناخات السلام الإيماني التي رسمها الإمام السجاد (ع).
نحن هنا ما يهمنا في هذه القراءة هو الوقوف عند مفهوم الاستخدام الفني للمحاور المعروضة والتي لا شك أنها مساعي رؤيوية لها خصوصيتها عند كل باحث.