العراق... النسناس وبقية الناس!

بقلم: رشيد الخيّون

أحوال بلاد الرَّافدين لا تسرَّ إنساناً على وجه البسيطة، مجزرة بعد مجزرة، وأوهام بعد أوهام في إيجاد سلطة. بل لم يبق لدى أهلها شيء يهبونه للساسة، خرجوا وانتخبوا، وأعطوا بأصواتهم حلاً معقولاً، يبعدون به شبح الطائفية، وينتصرون ضد المحاصصة، وهو ترجيح قائمة على بقية القوائم، ولم يجعلوها أواني مستطرقة متساوية فيحار بتفضيل أحدها على الأُخرى، فلا عذر بعدم تكليف الفائزة بتشكيل الوزارة، ومَنْ أدراك أنها ستفلح، فلربما لا يتفق معها الآخرون، وعند ذاك يسعى مَنْ يسعى للحصول على النِّصاب المفترض، وبهذا يطمئن العراقيون أن دعاة الدِّيمقراطية كانوا صادقين، ولا عُذر لتعطيل البرلمان وتقليب المواجع.
لكن، مثل هذا الفعل لا يقدم عليه إلا مَنْ لهم طِباع الدَّلافين، إنقاذ الغرقى مِنْ غرائزهم، وبغداد كانت تعرف أخلاق الدَّلافين لذا أطلق خليفتها العباسي السادس محمد الأمين (قُتل 198 هـ) على تخته النَّهري في دجلة "الدُّلفين"(الطَّبري، تاريخ الأمم والملوك)، وفيه قال أبو نواس: "قد ركب الدُّلْفين بدرُ الدجى.. مقتحماً في الماءِ قد لجَّجا". وها هو العراق يغرق في برك دماء لا ماء، فمَنْ له تلك الطباع لينجيه مما هو فيه!
كنا نتأمل ذلك في أكثر من دلفين، على أنهم البنائون لعصر عراقي جديد، مثلما مازالوا يرددونها خالية من المعنى: "العراق الجديد"! لا ندري، ماذا عنت لهم الدِّيباجة التي أُستهلوا بها الدُّستور الدائم (2005): "نحنُ أبناء وادي الرَّافدين، موطن الأنبياء، ومثوى الأئمة الأطهار، ورواد الحضارة، وصناع الكتابة، ومهد التَّرقيم، على أرضنا سنَّ أولُ قانونٍ وضعه الإنسان، وفي وطننا خُطَّ أعرقُ عهدٍ عادلٍ لسياسة الأوطان، وفوقَ ترابنا صلى الصَّحابةُ والأولياء، ونظَّرَ الفلاسفةُ والعلماء، وأبدعَ الأدباءُ والشُّعراءْ". أقول: ألا بئس الأحفاد! فهؤلاء الذَّين نسجوا ذلك الشِّعر جعلوا رواتبهم بالملايين، فراتب عضو البرلماني الشَّهري يتراوح بين ثلاثين إلى أربعين ألف دولار! وهو القرار من بين القرارات الفريدة التي تألفت عليها قلوب البرلمانيين المختلفة.
هؤلاء أنفسهم الذين كتبوا تلك الدِّيباجة، واقسموا اليمين على حماية الدَّم والمال، أحدهم يشيد الآن داراً ثمنها بالملايين من الدُّولارات لا الدَّنانير، وهم أنفسهم أسرعوا إلى تقاسم الوظائف في السَّفارات العراقية للأبناء وأولاد العمومة، وهم أنفسهم في الأزمات يتركون البلاد، إلى موسم حج أو اصطياف، وكأن قائلهم يقول ما قاله الحجازي عبيد الله بن الحر لمصعب بن الزُّبير (قُتل 71 هـ)، وهو يُقاتل بالعراق: "لا كوفةٌ أمي ولا بصرةٌ أبي.. ولا أنا يثنيني عن الرحْلةِ الكَسّلْ"(نفسه)!
سمعت من أحدهم وهو يهم بالسَّفر إلى واشنطن أن لاطفه أحد زملائه البرلمانيون قائلاً: "اضربلك ركعتين بباب القصر الأبيض"! ومفردة اضرب يستخدمها العراقيون عادة في سخريتهم لفعل ينوون عليه، بما فيه الطَّعام، مثلاً: "ضربت الغدا عند فلان"، وصاحبنا كان من الإسلام السياسي. إنها صلاة الشكر، في ذلك المكان، لما هم فيه! وهي وصية ليست عابرة بل لها مدلول.
بعد مجازر الأربعاء الفائت، وأيام الأسبوع كافة، ومع تعقيد الأزمة السياسية، لا يبدو هناك ضوء في النفق، بقدر ما هناك إشارات إلى زيادة وتيرة الموت اليومي، وبعثرة العراق على مناطق نفوذ. ينزف العراقيون الآن دماً ويواجهون خراباً في بناهم التحتية والفوقية، بينما الخلاف السِّياسي عقيم، لذا لا يُرجى حله: مَنْ يكون رئيس وزراء! وليس هذا حسب، لا حل يعرضه هؤلاء سوى الحل الطَّائفي، لأنه سر استمرار وجودهم في السُّلطة. فالائتلافان: "الوطني" و"القانون" يقولان، على الرَّغم من خلافاتهما الحادة: لا يشاركان في وزارة لا يكون رئيسها منهما! فلا يعترفان بشيعية لأياد علاوي!
لقد عرفنا هذا، ولكن مَنْ هو! المالكي يرى نفسه هو بقية النَّاس والباقين النِّسناس. ولهذا عجز الإعلام وبطلت التَّحليلات، وهي تلهج على مدار السَّاعة: اقترب "القانون" من "الوطني"، ابتعد "الوطني" عن "القانون"، "القانون" لا مرشح سوى المالكي، "العراقية" نريد حقنا الدُّستوري، الكردستانية: كركوك أولاً. أقسم أن هذه المهزلة، والدَّم العراقي القاني سيل على الأرصفة والهابطين عن مستوى الفقر يعدون بالملايين، يخجل منها الصِّبيان العراقيون وهم يلعبون لعبة (الخِتيلان)! أما تهتز قصبةٌ لهؤلاء الذَّين يطالبون بحقهم الشَّرعي! أما تؤلمهم تلك المشاهد المخجلة، وهم يتمتعون بعقود رسمية للسُّكنى في القصور والبيوت الرَّئاسية، منهم مَنْ حصل على عَقد مدته خمسون عاماً، وآخر نصف المدة، وقد يجتمع البرلمان ويقرر التَّنازل لهم عن تلك النَّعمة، التي طلبوا صَّلاة الشُّكر لها على حائط البيت الأبيض!
أهي لعنة حلت على هذه البلاد، أن توضع في محنة مثل هذه بين ساسة هاجسهم الغنيمة، ومقاومة تطلب السلطة وفِرق موت بيدها السُّلطة تعبث بالدَّماء، فلا تشبهان في أفعالهما سوى النِّسناس، كائنات تغتسل بالدَّم. جاء وصفها في كتب الأقدمين: خُلقت على صور بني آدم، متى ظفرت بابن آدم قتلته. نسبهم القصاصون إلى كائنات الشرِّ يأجوج ومأجوج أو إلى أخي عاد وثمود. قيل: ليست لهم عقول، يتكلمون العربية، ويتناسلون بأسماء العرب(الدَّميري، حياة الحيوان الكبرى).
يلخص ابن عباس صفتهم بالقول: "يتشبهون بالنَّاس وليسوا بالنَّاس". قال الحسن البصري: "ذهب النَّاس وبقي النِّسناس"(المسعودي، مروج الذهب). وجاء في الحديث: "إن حياً من أحياء عادِ عصوا نبيهم فمسخهم الله نسناساً لكل واحد منهم يد ورجل من شق واحد، ينقرون كما ينقر الطير". وعند المفاضلة بين النَّاس المغيبين والنَّسانس الحاضرين قال الشاعر: "ذهب النَّاس فاستقلُّوا وصرنا .. خلفاً في أراذل النِّسناسِ"(نفسه). وإذا كان للنِّسناس معنى القتل الخرافي فمن من معانيه أيضاً الجوع (الجوهري، الصحاح)، وأقبح الجوع أن تعيش على أرض وتَعلم بنعمةِ ظاهرها وباطنها وأنت جائع!
ليس أكثر بالعراق اليوم من سيل الدَّم والجوع! لا صوت يعلو بالعراق اليوم على صوت النِّسناس وهو يسفك الدَّم وينهب المال، غير أنها قد لا تخلو مِنْ بقية تُرجى، من مثقفين وعلماء وأبناء أُصول وأشراف ضمائر، لكنهم منزوون، فالزَّمن زمن النِّسناس لا "بقية النِّاس". وقصة العبارة، أنه بعد قيام الفتن انزوى التَّابعي سعيد بن المُسَيَّب (ت 94 هـ) في زاوية من زوايا المسجد النَّبوي، ولما مرَّ به الوليد بن عبدالملك (ت 96 هـ) ولم يتحرك له، أشار إليه قائلاً: "هذا بقية النَّاس"(تاريخ اليعقوبي).
(الاتحاد) رشيد الخيّون