متى تستيقظ الدراما اللبنانية من سباتها العميق؟

المسلسلات اللبنانية عملة نادرة

بيروت - لا شك أن المتابع لدراما رمضان هذا العام سيلاحظ سيطرة شبه كاملة للأعمال السورية والمصرية وصعود متميز للدراما الخليجية مع غياب ملحوظ للدراما اللبنانية.

وينسحب هذا الوضع على أعوام عديدة سجلت فيها الدراما اللبنانية تراجعا كبيرا في عدد الأعمال المنتجة واقتصار عرضها على الفضائيات المحلية، الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة حول مبررات هذا الغياب ودور شركات الإنتاج ووزارة الإعلام اللبنانية.

ويتساءل بعض المراقبين عن أسباب تسابق شركات الإنتاج اللبنانية لإنتاج برامج مسابقات وأخرى ذات طبيعة فكاهية فضلا عن تصوير "فيديو كليبات" لمطربين لبنانيين وعرب، دون أن يبدون أدنى اهتمام بإنتاج دراما محلية تُعبر عن الواقع اللبناني المليء بالأحداث والتناقضات الاجتماعية اليومية.

وتشير صحيفة "الجريدة" إلى أن مسلسلي "سارة" و"مدام كارمن" الذي يعرضان حاليا على بعض الفضائيات اللبنانية والعربية نجحا في إعادة الحضور المميّز إلى الدراما اللبنانية الذي تمتعت به في الفترة بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وتضيف "حالة الصحوة التي أحدثها 'سارة' اكتملت مع المسلسل الصدمة 'مدام كارمن'، وقبل التحدّث عن الأخير يجدر الاعتراف بأنه واقعي ولم يأتِ أبطاله من عوالم أخرى، وأكثر ما ينبغي التوقّف عنده شخصية الفتاة الجامعية، التي كانت في الماضي عنوان الالتزام الأخلاقي ويُطلق عليها لقب صاحبة الصون والعفاف، وأصبحت اليوم مصابة بـ 'الشيزوفرينيا' عن سابق تصوّر وتصميم".

وحقق مسلسل "سارة" وهو من إخراج سمير حبشي وبطولة سيرين عبد النور ويوسف الخال نجاحاً كبيرا وضعه في منافسة مع بعض الأعمال السورية والمصرية.

وتتساءل صحيفة "الأخبار" عن الأسباب التي جعلت المسلسلات المحلية عملة نادرة خلال الموسم الرمضاني وخارجه، مشيرة إلى أن "إطلالات الممثلين اللبنانيين خلال شهر رمضان تقتصر على المشاركات الحوارية وبعض البرامج الفكاهية التي تعرض على بعض الفضائيات المحلية".

وترى أن أحد أبرز أسباب انحدار مستوى الدراما اللبنانية هو ضآلة الميزانيات واستسهال الإنتاج "ما أساء للنوعية وانعكس سلباً على إمكان تسويقها".

وتضيف "في وقت كانت الأعمال المحلية تحتل قبل سنوات مرتبة الريادة في الخارج، باتت شركات الإنتاج اللبنانية اليوم تنشط فقط في برامج الرقص والفيديو كليب والأغاني. وهذا النوع من البرامج احتل الحيز الأكبر من اهتمام المحطات، وأثر سلباً في الدراما، وخصوصاً أنها (أي المحطات) باتت تخضع لشروط المعلن".

ويؤكد البعض أن فترة التسعينيات شهدت محاولات سجلت علامة فارقة في الدراما اللبنانية، أبرزها مسلسلي "نساء في العاصفة" و"العاصفة تهب مرتين" للكاتب شكري أنيس فاخوري الذي "أعاد الدراما اللبنانية إلى الحياة، في وقت قدّم كتّاب آخرون مسلسلات لبنانية همّها الأول والأخير إظهار الفتاة اللبنانية متحرّرة لا تعرف العيب ولا الحرام، والمجتمع اللبناني عبارة عن عارضات أزياء وتجار مخدرات".

ويتذكر فاخوري النهضة التي حققها "تلفزيون لبنان" في مطلع التسعينيات مع عمليه "نساء في العاصفة" و"العاصفة تهب مرتين"، مشيرا إلى أن هذه الأعمال لم تُسوّق في الخارج، والسبب برأيه يعود الى المواضيع التي عولجت تُصنّف في خانة "المحاذير" بالنسبة الى الدول العربية.

ويضيف: "المعالجة كانت جريئة والمجتمع اللبناني أكثر جرأة من المجتمعات العربية الأخرى"، وحول ضعف الإنتاج الدرامي اللبناني يقول "لدينا كتّاب مبدعون ومخرجون جيّدون. لكن ينقصنا المنتج الذي يؤمن بعمله ويسخى عليه".

ويرى البعض أن الدراما اللبنانية وقعت في قبضة مخرجين يركّزون على إظهار مفاتن الممثل كأفضل وسيلة لتسويق مسلسلاتهم.

وتشير صحيفة "الجريدة" إلى أنه "ساد طويلاً اعتقاد بأن المشكلة هي مشكلة إنتاج لا مواهب، لكن في الواقع كانت في كاتب لا يريد سوى تقديم فتيات للتسويق الرخيص لمسلسله ومخرج عاجز عن تحريك أبطاله، وقد جعلنا هذا التدهور نشعر بمرارة شديدة ونحن نرى الدراما المصرية في الطليعة والسورية تشهد أزهى عصورها. في الوقت نفسه انقضّت علينا الدراما التركية من دون رحمة، ولم تعد ظاهرة، كما كنا نظن، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من يومياتنا".

وتشير بعض وسائل الإعلام إلى أن الدراما اللبنانية تعاني من غياب دور فاعل لوزارة الإعلام "فقانون المرئي والمسموع يجبر المحطات المحلية على عرض ساعات محددة من الإنتاج المحلي، لكن هذه القنوات تستعيض عن الدراما بالبرامج الترفيهية التي تجذب المعلنين والمشاهدين".

ويتّهم صنّاع الدراما وزارة الإعلام بالتقصير في تصدير الأعمال اللبنانية وعدم التعاون الجدي مع وزارات الإعلام في البلدان المجاورة.

وتشير صحيفة "الأخبار" إلى أن لبنان يستقبل المسلسلات من مصر وسوريا والخليج، لكنه لا يصدر من أعماله إلا القليل، "أضف إلى ذلك تهميش التلفزيون الرسمي الذي يؤدي غالباً دوراً رئيساً في تنشيط عجلة صناعة الدراما. كما أن حمّى المسلسلات المدبلجة التي انتشرت في السنوات الأخيرة أدت إلى تراجع مكانة المسلسلات المحلية".