عملية السلام: ما أشبه اليوم بالبارحة!

هذه ليست مجرد لعبة يلعبها اثنان

واشنطن ـ هل اليوم اشبه بالبارحة بالنسبة لمفاوضات سلام الشرق الاوسط؟
فالضغط الشخصي الذي يمارسه الرئيس الاميركي باراك اوباما لاستئناف المحادثات المباشرة هذا الاسبوع بين اسرائيل والفلسطينيين يعيد الاذهان بقوة للماضي..فسلفه جورج بوش فعل الشيء نفسه تقريباً في انابوليس بماريلاند عام 2007 لكن آماله المبكرة تحطمت.

والهدف من لقاء الخميس بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو هو نفسه هدف الجولة الاخيرة من المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة في انابوليس..اتفاق لاقامة دولة فلسطينية ديمقراطية تعيش في سلام الى جانب اسرائيل.

لكن في حين تبدو العملية متشابهة توجد عدة عوامل رئيسية جديدة ابتداء من اوباما نفسه.
وسيتابع المحللون السياسيون عن كثب ليروا ما اذا كانت هذه التغيرات ستكون كافية لتجنب تكرار فشل الولايات المتحدة في صنع السلام.

ماذا تغير بالنسبة للولايات المتحدة؟

الاختلاف الاكبر يتمثل في أوباما الذي قال في مستهل رئاسته ان سلام الشرق الاوسط يمثل أولوية رئيسية في سياسته الخارجية.

ورغم أن الرئيسين الجمهوري جورج بوش والديمقراطي بيل كلينتون قاما ايضا بمحاولتين لجمع الاسرائيليين والفلسطينيين على مائدة التفاوض فقد جاءت هاتان المحاولتان قبيل انتهاء فترة الرئاسة الثانية لكل منهما أي في توقيت يجنبهما الخطر في حالة حدوث رد فعل سياسي عنيف في الداخل.

أما اوباما فيجازف كثيرا بتبني القضية قبيل التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني وحملته المحتملة لخوض انتخابات الرئاسة عام 2012 في مواجهة معارضة جمهورية نشطة داعمة بقوة لاسرائيل.

وقالت ميشيل دون خبيرة شؤون الشرق الاوسط بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي "من الخطر على اوباما ان ينظر اليه على انه يمارس ضغوطاً على اسرائيل لذا سيكونون حريصين. اعتقد قطعاً ان الجمهوريين سيحاولون اثارة هذا النقاش خلال العامين المقبلين".

ويعتزم اوباما ان يلتقي بنتنياهو وعباس كل على حدة في البيت الابيض الاربعاء ويتوقع محللون دبلوماسيون ان يواصل الضغط عليهما للبقاء على الطاولة املاً في العثور على نصر استعصى على كثير من الرؤساء قبله.

ماذا تغير بالنسبة للفلسطينيين؟

مثل عباس الفلسطينيين في مؤتمر انابوليس عام 2007 وهو وجه مألوف في مفاوضات السلام، لكنه يصل الى واشنطن هذه المرة اضعف سياسيا من قبل وهو ما قد يعقد العملية.

ففي ظل افتقار سلطته الفلسطينية للسيولة وسعي حركته فتح للاحتفاظ بنفوذها أمام حماس التي تسيطر على غزة منذ 2007 فان عباس في موقف صعب قد يمنعه من تقديم اي تنازلات سريعة لاسرائيل خاصة بشأن قضية المستوطنات اليهودية المقامة على اراض محتلة بالضفة الغربية.

وقال دانيال كيرتزر وهو سفير اميركي سابق لدى كل من مصر واسرائيل ومحاضر بجامعة برينستون حالياً "بات احتمال أن يفكر عباس بطريقة مبتكرة او جريئة أقل ترجيحاً الان بكثير وسيكون في البداية حذراً للغاية".

لكن مع تسجيل الضفة الغربية الآن نمواً يدور حول ثمانية بالمئة سنوياً ومع اتخاذ السلطة الفلسطينية المزيد من سمات الدولة الحقيقية ربما يحس عباس ان الوقت قد حان للتوصل لاتفاق خاصة اذا كان ممولون كبار مثل الولايات المتحدة ودول عربية رئيسية كمصر والاردن يقولون ان ثمة حاجة لحدوث ذلك.

وقال انتوني كوردسمان الخبير بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية "الولايات المتحدة واللجنة الرباعية (لوسطاء السلام في الشرق الاوسط) لديهما دور في هذا والدور الذي يلعبانه فيما يتعلق بالمساعدات والدعم حاسم".

وأضاف "هذه ليست مجرد لعبة يلعبها اثنان".

ماذا تغير بالنسبة لاسرائيل؟

في انابوليس كان يمثل اسرائيل رئيس الوزراء في ذلك الوقت ايهود اولمرت وهو وسطي تناقش في مفاوضات تالية مع عباس للتوصل الى اتفاقات محتملة بشأن عدد من القضايا العالقة.

لكن عباس انسحب من المحادثات عام 2008 بعدما شن اولمرت هجوما على غزة واضطر اولمرت نفسه الى التنحي من منصبه بسبب مزاعم فساد.

ويأتي نتنياهو الى المحادثات بصورة رجل قوي يرأس ائتلافاً يمينياً يدعم حق اسرائيل في توسيع المستوطنات اليهودية على اراضي الضفة الغربية التي احتلتها في حرب عام 1967.

لكن قضية المستوطنات محفوفة بالمخاطر بالنسبة لنتنياهو الذي تراجعت علاقته بالولايات المتحدة بشدة هذا العام وسط خلاف على خطط الاستيطان المستقبلية.

وتأجلت زيارة لاصلاح العلاقات كان نتنياهو يعتزم القيام بها الى الولايات المتحدة للقاء اوباما بعدما اقتحمت قوات خاصة اسرائيلية سفينة مساعدات كانت متجهة الى غزة في مايو/ايار فقتلت تسعة نشطاء مناصرين للفلسطينيين مما أثار موجة غضب دولي وجوانب جديدة للتوتر في علاقات اسرائيل مع جيرانها.

وتحدد موعد جديد للزيارة في يوليو تموز لكن بدا واضحا ان استعداد الحليف الدبلوماسي والمالي الرئيسي لاسرائيل لممارسة ضغوط على الحكومة الاسرائيلية اكبر في ظل حكومة اوباما مما كان عليه في عهد بوش.

ماذا لم يتغير؟

يقول محللون دبلوماسيون ان من المفترض أن الاطار الذي تم التوصل اليه في عملية انابوليس ربما لا يزال قابلاً للتطبيق.
ويشمل هذا الاطار خيارات لمبادلة الارض والاشراف الدولي على المواقع المقدسة المضطربة في القدس وضمانات من حلف شمال الاطلسي بأمن حدود اسرائيل.

كما يشير البعض الى مستويات اقل من العنف وتباطؤ وتيرة النشاط الاستيطاني وزيادة القبول بحل الدولتين كأسباب ممكنة للتفاؤل.

لكن الواقع الصعب للصراع الاسرائيلي الفلسطيني والذي تحركه عقود من الشك لا يزال كما هو ومن غير الواضح ان كانت ضغوط اوباما ستكفي للتغلب على العقبات السياسية التي تواجه كلاً من نتنياهو وعباس.

فنتنياهو عليه ان يتعامل مع الاحزاب المؤيدة للمستوطنين التي يمكن ان تسقط حكومته مما يجبره على التحول الى الوسط او اليسار في حين ان الفلسطينيين منقسمون بين حركة فتح التي يتزعمها عباس في الضفة الغربية وحركة حماس في قطاع غزة.

وقال جون اولترمان مدير برنامج الشرق الاوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن "يصر الناس على التحدث عن الدبلوماسية لكن القضية الفعلية هنا هي السياسات الاساسية".

وأضاف "المسألة ليست..هل من المتصور ان يتمكن الدبلوماسيون من ايجاد حل..لان من المتصور ان يتمكن الدبلوماسيون من ايجاد حل. لكن الحائل هو غياب السياسات التي تسمح للدبلوماسيين بالوصول الى اتفاق".