الهوية الوطنية الكويتية.. هل هي في خطر؟

بقلم: محمد الصادق

لم تستقم الهوية الكويتية على عصبية دينية قط، ولم يُعرف عن الشعب بأنه مغالٍ، لكن هذا لا يعني أن الكويت دولة خالية من المتدينين، أو أن الفرد الكويتي متفسخ دينياً، كان الكويتيون يمارسون تدّينهم بعفوية تامة، كان الدين شأناً فردياً.
تصاعدت حدة النزاعات السياسية المتلبسة لبوس الدين في السنوات الماضية أحياناً، ووصلت بالحياة السياسية إلى حافة هاوية الهاوية، فالسياسيون والإعلاميون يتعاملون مع القضايا الحساسة بإسفاف واستخفاف، حتى هبطت اللغة المتداولة إلى درجةً أصبحنا معها نملك انساقاً مختلفة من الشتم والتخوين تحت شعارات الحرية الصحفية أو «النقد المباح»، قد يتحسّر هنا الكويتيون على ماضيهم التقدمي العريق أو على التنمية المفقودة نتيجة التجاذبات الحاصلة، وهذا حقهم، لكن هذا ليس لبّ المشكلة، فالقضية أعقد من مجرد مشاريع متوقفة، أو حكومة تستدعى ليلاً على عجل للاستجواب بسبب حفلة راقصة!
ثمة مؤشر على أن الهوية الكويتية تنحدّر الآن من كونها هوية وطنية يذوب في بوتقتها الجميع، إلى مجرّد إطار يُنسّق علاقات البشر ويضمن تعايش الطوائف والقبائل والعائلات. بكلمة أخرى، تراجعت الهوية الوطنية التي تشّبثت بها المجموعات البشرية المتعاقدة نحو الانعتاق التام للهويات الصغرى الأشد حساسيةً وفتكً بالمجتمعات ذات التنوع الاثني، والهويات بطبيعتها ليست جامدة لكي تبقى على حالها، الهويات القومية ترتفع وتنخفض، تبنى وتهّدم.
أما وقد ارتد الناس بحثاً عن ملاذً آمن لدى الطائفة والقبيلة والأسرة، فأصبح لدى الكويتيين مساجدنا ومساجدهم، معتقلونا ومعتقلوهم، وانتشر استخدام «نحن» و«هم» بشكل لافت، وغذى التخوين مناسبة دورية غير مستنكرة، أو مستفظعة، وأضحت المجاهرة في تسييّس الانتماءات الطائفية والمذهبية «موضة» تسوّق بكل أناقة، فهذا لاشك من علامات تآكل الهوية الوطنية الكويتية التي كان الخليجيون يغبطونكم عليها.
تدهور الشعور بأهمية الهوية الوطنية في الواقع أعظم خطر يتهدّد الكويت، وأمنها منذ التحرير، ويشكل تحدياً جدياً لوحدتها الوطنية وديمومة تطور نظامها السياسي الشبه ديمقراطي، النكوص عن الولاء للهوية الوطنية الكبرى كهوية جامعة بعد ان اتفق الجميع على الذوبان فيها، أشد خطراً مما يثار بين الفينة والأخرى من قبل محترفي التحريض والكراهية عن وجود خلايا نائمة أو يقظة تتهدّد الأمن من هذه الدولة أو تلك.
لا خلاف أن الكويت مرت بتجربة احتلال قاسية وقطعت بعدها مسافة جيدة نحو حماية العملية الديمقراطية، وذلك لم يتأت للكويتيين صدفة أو مجاناً، لكن الكويتيين أصروا على حماية الشراكة السياسية التي تقوم على التراضي والتعاقد لأكبر مجموعات المصالح، وكانت أغلبية تلك الدوائر تشارك في الحكم وإن بمقادير مختلفة.
الآن مصيبة أن تتحول الروابط الوشائجية كالمذهب والقبيلة والعائلة إلى هويات سياسية، مصيبة أن تتسرّب سموم النعرات الطائفية والقبلية القادمة من دول الجوار لمسام الدولة الكويتية، إذا كان ثمة خشية اليوم على الكويت فهي تتمثل في تعريف الكتل والتجمعات البشرية على أساس ديني أو مذهبي،وعندها لا يمكن التعامل مع جميع المواطنين على قدم المساواة، كما هو مطلوب من دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة، فهل في الكويت من يُبصّر ما وصلت إليه حالهم؟! محمد الصادق mohamed.alsadiq@gmail.com