فيم تكمن قوة إيران لصد أي عدوان؟

بقلم: عبدالباقي صلاي

الكثيرون من المحللين والمهتمين بالشأن الإيراني ذهبوا في قراءتهم لانسحاب القوات الأميركية من العراق وفي جنح الظلام، بأن ذلك مؤشر قوي على أن الحرب على إيران قاب قوسين أو أدنى من الوقوع وفي غضون أيام قليلة، لأن الولايات المتحدة تخشى الداخل العراقي الذي أغلبه شيعة تابعة وجدانيا لإيران، وقد يلعب دورا محوريا هذا الداخل في قلب موازين الحرب لصالح إيران في حال حدوث عدوان على المنشآت العسكرية الإيرانية.
ولا يمكن استبعاد هذا التحليل أو القفز على هذه القراءة لكن لا تبدو الحقيقة هي ذاتها لدى الولايات المتحدة التي ترى في انسحاب بعض قواتها المسلحة من العراق هو أمر يجب أن يكون في هذه الظروف العصيبة التي تعاني منها اقتصاديا وسياسيا، لأن الأجندة الأميركية في كلياتها تطرح ما يمكن لبقاء الدولة مهابة الجانب. ويعطي مدلولا قويا أن الولايات المتحدة تتحكم في زمام الأمور. وربما ما تنبه إليه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يدخل في إطار المعقول من الأشياء، فالولايات المتحدة الماضي قبل غزو العراق والحرب على أفغانستان ليست هي الولايات المتحدة ذاتها اليوم بعد الانسحاب الجزئي من جزء من أراضي العراق، فهي ربما أشبه بالأسد الهرم الذي يزأر لكنه خائر القوة ضعيف البنية لا يقوى على الهجوم أو حتى على الدفاع عن نفسه.
ونفهم هذا أيضا من لغة أحمدي نجاد - وثقته المفرطة بما يعتقد- الذي قال "نحن لا نمزح ولن نسمح لعصابة من المجرمين بزعزعة الأمن. لقد قالتا (الولايات المتحدة وإسرائيل) إن كل الخيارات واردة ونحن نقول أيضا إن كل الخيارات واردة"، مؤكدا على أنه "لا مصلحة للولايات المتّحدة في مواجهة عسكريّة مع بلاده". وهذا يقودنا إلى تفسير واحد ووحيد أن إيران على لسان رئيسها قادرة على فك الشيفرة التي بحوزة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي أنهما وببساطة شديدة غير قادرتين على شن هجوم ولو في الظرف الحالي، لعدة أسباب منها كما قال أحمدي نجاد نفسه "إن إسرائيل أضعف من أن تخوض مواجهة عسكريّة مع إيران، وإنها لا تملك الشجاعة للقيام بذلك ولا أعتقد أن تهديداتها جدية". وأيضا للحالة البائسة التي عليها ظروف الولايات المتحدة لا سيما في الداخل ، فضلا عن معطيات عسكرية تمتلكها إيران وقد أظهرتها خلال نهاية الأسبوع الماضي.
لأنه عندما تقدم إيران على الظهور وبكل جرأة أمام كاميرات العالم وتتحدى الجميع أنها ما تزال سائرة في طريق تخصيب اليورانيوم، وليس هذا فحسب الكشف عن الطائرة "القاذفة" الأولى من دون طيار والقادرة على حمل أنواع مختلفة من القنابل والصواريخ والتي تسمّت باسم "كرار" أي المهاجم وهو لقب من القاب الخليفة علي بن ابي طالب، وذلك خلال احتفال أقيم للكشف عن قدرة إيران على التصدي لأي هجوم محتمل قد يستهدف برنامجها النووي، فهذا لا يعني أن المجابهة التي تود الولايات المتحدة القيام بها بمعية إسرائيل قد تكون مجرد مجابهة قوي مع غض غرير، أو مجرد فسحة سياحية كما كان مع الحرب على العراق وأفغانستان.
الحرب وإن قامت وكانت الولايات المتحدة متهورة إلى أبعد الحدود فيها، فمن دون أدنى شك سيتغير التاريخ على إثرها، وتتغير وفقه الجغرافيا، لأن هذه الحرب ليست حربا محسوبة العواقب، أو أنها ستتوقف فقط عند تدمير المفاعل النووي، أو ردع إيران وحثها على الخضوع إلى أجندة الولايات المتحدة وما قرره مجلس الأمن من عقوبات، فهذه الحرب ستجر منطقة الخليج ومنطقة آسيا، وتمتد تداعياتها حتى إلى أوروبا وأفريقيا، وربما تكون حربا كونية ثالثة تدمر العالم بأسره.
لأنها لن تشبه ما كان من حروب سابقة، ولن تمنح العالم فرصة للرجوع أو المراجعة وتوقيفها في حال ما اندلعت وانطلقت الشرارة الأولى في المنطقة.
لكن هذا ورغم شيوع الخبر والتهليل بها سواء في الصحافة الأميركية أو في الصحافة العربية، أن الحرب قائمة لا محالة وأن الولايات المتحدة لن تترك إيران تعربد بهذه الطريقة وبهذا الشكل المقيت فإن العرب والدول العربية يقفون أمام منعطف كبير، وما يزالون لم يحسموا أمرهم فيما تعلق هذه الحرب.
لأن الحرب لن تقوم إلا باستشارتهم وبإيعاز منهم، ولو أن التقديرات في مجملها تشير أن العرب لن يقبلوا الحرب إلا في حالة واحدة أن تقدم الولايات ضمانات بأن لا تتأثر المنطقة- سيما الخليجية- بهذه الحرب، وهذا أظنه مستبعدا لأن الحرب هي الحرب عندما تقوم تمس شظاياها كل المنطقة.ولأن العرب جربوا الحرب على العراق وأنهم لم يجنوا منها شيئا سوى مصاريف دعمت القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفاءها.
الظن الأكبر أن العرب استفاقوا هذه المرة وفهموا اللعبة، ولن تنطلي عليهم الحيلة وبالتالي فلن يتورطوا في مستنقع الحرب التي لو قامت لن يجنوا منه سوى العار والشنار، بل هناك تقدم كبير في المناورة نحسبه من المبشرات، وقد ألمح أحمدي نجاد إلى هذا عندما قال "إن الدول العربية أذكى من أن تدخل في لعبة الولايات المتحدة الأميركية وتشاركها تهورها". وما نرجوه أن لا يكون هناك تهور فعليا يحرك العالم مرة أخرى نحو حرب كونية، ولو أن هذا مستبعد لأن إيران أقوى من أن تكون فريسة سهلة للعبث الأميركي والإسرائيلي. عبدالباقي صلاي
كاتب وإعلامي جزائري