عادل حمودة يصل إلى منابع النيل ويهاجم السادات

كتب ـ حسام عبدالقادر
كن رفيقي في الماء

لا شك أن كتاب "ثرثرة أخرى فوق النيل" للكاتب الصحفى عادل حمودة الذي صدر مؤخرا عن دار الشروق، يعد إضافة جديدة للمكتبة العربية والأفريقية على السواء في قضية شائكة هي قضية مياه النيل والصراع الدائر بين دول المنبع ودول المصب.
لقد استطاع عادل حمودة أن يبحر بالقارئ عبر 175 صفحة فى جولة يروي فيها قصة نهر النيل من الألف إلى الياء، منذ الخليقة وحتى الآن، في رحلة واقعية تحسب لعادل حمودة، فهو لم يعتمد على بعض المراجع وعلى حكاوي الرواة والرحالة، وإنما قرر أن يخوض التجربة بنفسه ويذهب ليتعرف على منابع النيل وقصتها وعلى حكاوي وقصص أهالي أثيوبيا وأوغندا والسودان أنفسهم ووجهة نظرهم فيما يحدث من خلاف وحكايتهم مع منابع النيل، وقصة صراع دول المنبع مع مصر في السيطرة على نهر النيل، ليسجل بذلك شهادة تاريخية جديدة تضاف إلى كافة الشهادات التاريخية الأخرى.
إلا أن عادل حمودة لم ينس تحيزه لعبدالناصر وانتماءه له، حيث صب غضبه على الرئيس أنور السادات وحمله المسئولية فيما يجري من مشاكل مع دول المصب، رغم تناقض آرائه عندما يعرض لمواقف كل من عبدالناصر والسادات.
ففي الفصل الأول يتباهى حمودة بجدية عبدالناصر في نيته بالحرب ضد السودان، ويقول: "ذات يوم وجدت طابورا طويلا من عربات قطارات نقل البضائع تصل أسوان وعليها مدافع ومدرعات وسيارات عسكرية. وراحت كتائب الجنود التي جاءت معها تثير انتباه المدنيين من عائلات المهندسين والفنيين العاملين في السد العالي. ولم يكن من الصعب معرفة أن جمال عبدالناصر رفع درجة الاستعداد القصوى للحرب على السودان التي هدد رئيس وزارئها إبراهيم عبود بأنه سيقف بكل قوة ضد بناء السد العالي".
ونتج عن ذلك مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل التي أبرمت بينهما في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1959 لتحقيق مصلحة مشتركة لهما دون انتقاص أو إجحاف بحقوقهما التاريخية المكتسبة، ودون الإضرار بباقي دول حوض النيل السبع "زائير.. رواندا.. بورندى.. أوغندا.. كينيا.. تنزانيا.." ويصف حمودة هذه الاتفاقية بالاحترام ويقول إن السودان ما كان ليوقعها لو لم يشعر بقوة مصر العسكرية، فلا أحد في العلاقات الدولية يبتسم لخصمه الضعيف وإلا كانت ابتسامة صفراء. يعقبها عين حمراء. تنتهى بجثث سوداء.
وكان يجب في رأيي أن يتم إشراك باقي دول حوض النيل في الاتفاقية وهو ما لم يفعله عبدالناصر، لأن وجود بند في اتفاقية بين مصر والسودان يفيد بعدم الإضرار بباقي دول حوض النيل غير كاف، ولو كان عبدالناصر قد أشركهم في الاتفاقية لكان الأمر اختلف كثيراً.
بينما يعيب على السادات عندما قال – وهي رواية على لسان المهندس حسب الله الكفراوي - "إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب التي ستخوضها مصر. لكنه لو حارب فإنه سيحارب فقط من أجل مياه النيل.. حياة المصريين".
ويروي حمودة أن الجرح لا يزال ينزف في صدور الأثيوبيين بسبب إعلان السادات عن ضرب بلادهم بالطائرات لو نفذوا تهديد حاكمهم الشيوعى منجستو ومنعوا مياه النيل عن مصر. وأن رد منجستو الذي لم نعرفه إلا بعد سنوات طويلة أمام جماهير غفيرة في ميدان الحرية (ميدان الصليب فيما بعد) – وهو استعراض واضح لحاكم أمام شعبه - "لو جاء السادات فإننا سنغرقه في بحر من الدم لن ينجو منه وسنعيده إلى بلاده جثة هامدة"، وهي الجملة التي جعلها عنوانا للفصل الثاني من الكتاب.
ثم يعقب حمودة على تلك الجملة قائلا: "ولم ينفذ منجستو تهديده.. نفذه نيابة عنه خصوم متطرفون في مصر.. فيما يعرف بحادث المنصة" في خلط كبير للأوراق.
لقد عاب حمودة على السادات وهاجمه لأنه حارب الشيوعية، ويرى أن محاربته للشيوعية سبقت رؤيته لمصالح مصر في مياه النيل، بينما يقول إن السادات طلب تمهيد درب الأربعين بين مصر والسودان ليكون نواة طريق دولي يربط بين القاهرة في الشمال بجوهانسبرج فى جنوب إفريقيا. وجاء الدكتور فاروق الباز بخرائط للأقمار الصناعية للبدء في التخطيط. لكن القدر لم يمهل السادات كي يرى مشروعه النور. هذا المشروع الذي قد يكون علامة فارقة في العلاقات بين مصر ودول الجنوب، وبدلا من أن نلقى باللوم على السادات بأنه السبب في العداء مع الأثيوبيين كان يجب أن نسأل أنفسنا لماذا لم يكتمل هذا المشروع بعد رحيل السادات؟! ثم لماذا لم ينفذ الأثيوبيون ويعبرون عن غضبهم إلا بعد عشرات السنوات من تهديد السادات لهم؟
ومن ضمن سلبيات الكتاب ـ في رأيي ـ اهتمام عادل حمودة باللقطات والإيحاءات الجنسية بشكل كبير وغير مبرر، رغم أن طبيعة الكتاب وأهميته في غنى عن هذا، وقد يكون أراد تخفيف حدة الكتاب بهذه اللقطات المثيرة. ولكنه لم يوفق في رأيي، فهو يصف العشاق على ضفاف النيل واصفا العلاقة بين أصابعهم وشفاههم من ناحية وأجسامهم من ناحية أخرى. ويورد كلمات من الغزل الجنسي على لسان الأميرات الذي يعتبر دعوة صريحة لا يقدر على رفضها عاشق متماسك الأعصاب:
"تعال معي إلى الحمام. قميصي الملكي الكتاني سيستفز رغباتك ومشاعرك ويلبيها. أدعوك إلى طرف البركة لترى الزهور تغطي صدري. هناك أصطاد السمك حين أسبح عارية. فتمسك أنت بيدي بغتة. كن رفيقي في الماء. غادر الأرض".
وغيرها من الفقرات ذات التعبيرات الجنسية الصريحة، وقد حرص على ذلك خلال صفحات الكتاب وفصوله في تناوله للحياة في أفريقيا، وأنا لست ضد ذلك لو كان كتابه مثل كتب الرحلات عن طبيعة الحياة في تلك الدول التي يحكي عنها، ولكن المفترض أن هذا الكتاب عن النيل وحكايته وقضيته المصيرية.
في الفصل الثاني يلوم عادل حمودة سلطات مطار القاهرة، لأنهم أجبروا فتاة أثيوبية حملت في يدها شنطة من الورق بها لمبات موفرة للطاقة وتم مصادرتها، وهو إجراء طبيعي يتعلق بالأمن، ويجرى في كل بلاد العالم وليس في مطار القاهرة فقط، وحمل مثل هذه اللمبات كان يجب أن يتم وضعها في شنطة السفر وليس الشنطة التي يصعد بها الراكب الطائرة، ونجد حمودة يتبنى وجهة نظر صديق الفتاة الذي قال تعقيبا على منع اللمبات "والله حلال فيهم قطع الميه عنهم"!
إن تحيز حمودة لعبدالناصر ضد السادات، وإقحامه للقطات والتعبيرات الجنسية غير المبررة أضاع على القارئ متعة القراءة ومتعة الاستفادة من المعلومات الهامة التي احتواها الكتاب خاصة في الجزء الخاص بعرض حقوق مصر في نهر النيل حيث عرض حمودة لعدد من المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات التي تؤكد أن ما تحصل عليه مصر من مياه النيل هو أمر مفروغ منه طبقا لأصول وقواعد القانون الدولي، بداية من البروتوكول الموقع في روما عام 1891 بين بريطانيا وإيطاليا والذي كان يستهدف تعيين مناطق نفوذهما في شرق أفريقيا، مروراً بالمذكرات التي جرى تبادلها سنة 1935 بين بريطانيا وإيطاليا بصفتها نائبة عن أثيوبيا وقتها والتي تعترف فيها الحكومة الإيطالية بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأبيض والأزرق، وانتهاء باتفاقية الأمم المتحدة عن الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لتقنين القانون الدولي للأنهار ومنحه غطاء سياسياً دولياً.
ويسرد حمودة لآراء جمال حمدان الهامة في هذا الشأن التي عرضها في كتابه "شخصية مصر"، حيث يرى حمدان أن كثيرا من هذه السياسات الاستعمارية والتهديدات الصبيانية تنبع من جهل تام بحقائق الطبوغرافيا والهيدرولوجيا ولا يغذيه إلا سوء النية، فمياه مصر ليست منحة أو منة من أحد ولا هي فضل أو فضلة، إنها حقوق مكتسبة لا مغتصبة، كما روج بعض العملاء من أصحاب الصيحات الهوجاء عن "منع" أو "بيع" مياه النيل لمصر.
إن الطبيعة قادرة وقاهرة وفارضة إرادتها على الجميع بحكم قوة اندفاع المياه من الهضاب المرتفعة من المنبع إلى المصب مروراً بالمجرى بحيث لا يستطيع أحد إيقافها وإلا غرق. وهي نفس النظرية التي تؤمن بها الحكومة المصرية وتجعلها مطمئنة إلى أن النيل سيأتي إليها، سيأتي رغم أنف الجميع.
ويؤكد حمودة أن هذا صحيح، ولكن صحيح أيضا أن هناك تغيرات حدثت على أرض الواقع تهز هذه النظرية وتقلل من صرامتها، وتشير إلى أن حقوق مصر المكتسبة يمكن أن تتعرض بكميات قليلة أو كثيرة للاغتصاب، مضيفا أنه كان يتمنى أن يكون جمال حمدان على قيد الحياة ليناقشه فيما رأى بعينه، وبما قرأه بنفسه، وبما سمعه بأذنه، من ملاحظات جديدة تهدد نظريته في وصول النيل إلينا بقوة الطبيعة.
لقد سيطر الغرب على النفط وتحكم فيه، وجاء الدور على المياه ليفعل نفس الشيء. ويقول حمودة: "عفوا دكتور حمدان الشريعة الجغرافية وحدها لم تعد تكفي لضمان حقوقنا المكتسبة. لقد تفوقت عليها المؤامرات والمصالح السياسية ونحن في العسل نائمون، وللقواعد القديمة مستسلمون، ولعلاقتنا مع الحبشة غافلون مستهترون.. مستهزئون.. متعالون.. متكبرون". حسام عبدالقادر hossam@amwague.com