'ترجمان الأوجاع' قصص أميركية بنكهة التوابل الهندية

كتب ـ المحرر الثقافي
خبرات الأميركيين ذوي الأصول الهندية والمترجمة في الإطار

في المجموعة القصصية "ترجمان الأوجاع" تكتب "لاهيري" بطريقة مختلفة عما كتبه أي أحد آخر من قبل؛ فالقصص لا تتضمن العناصر المعتادة التي تعمد إلى الإبهار والمبالغة واللجوء إلى التشبيهات الغريبة التي تبدو دخيلة على النص، ولا التعمق في وصف النساء ذوات البشرة السمراء والعيون السوداء وشعورهن الحريرية الطويلة، وما يرتدين من أزياء متعددة الألوان مصنوعة من أقمشة الشيفون والأورجانزا.
وبدلاً من التورط في عناصر الانفعال والمأساة والعواطف الجياشة التي تنخرط في الكثير من كتابات الجنوب آسيويين، قدمت لنا "لاهيري" صورة لتفاصيل الحياة اليومية الواقعية التي يمر بها أي مغترب عن وطنه، وكتبت قصصها كأنها شخص خارجي يلاحظ الأشياء ولا يشترك فيها، شخص موضوعي هادئ ينقل ما يراه في عبارات ناقدة وساخرة أحيانًا.
أما شخصيات المجموعة القصصية؛ فهي هادئة، وتتحكم في ردود أفعالها ومشاعرها بدرجة كبيرة حتى في أقصى حالات غضبها، ولن يجد القارئ في تصرفاتها مفاجآت ولا أحداثاً صاخبة في القصص ذاتها، إنها أشبه بالتأملات لما يدور في داخل تلك الشخصيات، والواقع من حولها بما يحتويه من ضغوط.
إن كل شخصية في المجموعة في صراع لأن هناك أشياء تجذبها في عدة اتجاهات في الوقت نفسه؛ الآباء يجذبون الشخصيات إلى الماضي، وأبناؤهم يجذبونهم إلى المستقبل، ويجذبهم عالم أميركا إلى الغرب، ويجذبهم عالم الهند إلى الشرق. وقد أشارت "لاهيري" في إحدى مقابلاتها الصحافية إلى ذلك الصراع والاختلاف بين هذين العالمين: "عندما بدأت الكتابة، لم أدرك أن قضيتي الرئيسة ستكون خبرات الأميركيين ذوي الأصول الهندية. فما شجّعني على الاشتغال بالكتابة هو رغبتي في اقتحام العالمين اللذين عشتهما، فأمزج فوق الأوراق ما لم أتحلَّ بما يلزم من شجاعة أو نضج كي أسمح به في الحياة الواقعية".
قامت الكاتبة الإعلامية مروة هاشم بترجمة المجموعة القصصة "ترجمان الأوجاع" التي صدرت مؤخرا عن مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث. وقد صدرت النسخة الإنجليزية للكاتبة جومبا لاهيري عام 1999، ونالت عنها العديد من الجوائز؛ أهمها جائزة "بوليتزر" للأدب في العام 2000.
"جومبا لاهيري" كاتبة أميركية هندية الأصل، وُلدت في لندن في الحادي عشر من شهر يوليو/تموز في العام 1967، ونشأت في ولاية "رود آيلند" الأميركية، حيث انتقلت عائلتها إلى الولايات المتحدة الأميركية عندما كانت في الثالثة من عمرها. وحصلت "جومبا" على عدد من درجات الماجستير في جامعة "بوسطن": ماجستير في اللغة الإنجليزية، وماجستير في الكتابة الإبداعية، وماجستير في الأدب المقارن، ثم حصلت على درجة الدكتوراه في دراسات عصر النهضة الأوربية، وحالياً تعيش "جومبا" في "نيويورك" مع زوجها وطفليها.
وصرحت المترجمة مروة هاشم أن هذه المجموعة القصصية تتألف من تسع قصص قصيرة، كتبتها المؤلفة في أثناء دراستها في جامعة "بوسطن"، لتصف تفاصيل حياة مجموعة من الهنود المغتربين في الولايات المتحدة الأميركية وبعضًا من ملامح الحياة في الهند، وتتجاوز كلماتها حدود الروايات المقروءة؛ لتصبح مشاهد مرئية تصف أدق التفاصيل بعبارات هادئة ومتناغمة تفوح منها رائحة التوابل الهندية الحارة، تستخدمها المؤلفة ببراعة لتناول قضايا شديدة الخصوصية، وأشياء تبدو عادية وبسيطة، يستحضرها الأبطال في مزج رائع بين الماضي والحاضر، في الوقت الذي تعكس فيه تلك الأشياء عمق اختلافات الثقافات ومفاهيم الاغتراب والبحث عن الهوية.
يتميز أسلوب "لاهيري" بالصدق والوضوح في الكتابة، ويُبحر أبطالها ـ الذين ينتمون عادة إلى فئة البنغاليين المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية ـ في صراع بين القيم الثقافية لموطنهم الأصلي، وما يجب أن يتكيفوا معه في وطنهم الجديد. ولكونها ولدت في لندن، ونشأت في الولايات المتحدة الأميركية؛ سمحت لها تجربتها الشخصية بالنظر إلى الهند والهنود بصورة مختلفة تمامًا عن الاتجاهات الحالية في كتابات الجنوب آسيويين.
احتلت "لاهيري" مكانة متميزة بين الأدباء الأميركيين بهذه المجموعة القصصية؛ التي تعد أول إصدارتها الأدبية، وعلى الرغم من ذلك حققت نسبة مبيعات هائلة تجاوزت ستمائة ألف نسخة، وكانت أفضل أول عمل أدبي للعام لمجلة "نيويوركر" الأميركية في العام 2000، وحصلت على جائزة "بن/هيمنجوي" في العام 1999، كما تم إدراج اسم "لاهيري" ضمن قائمة مجلة "نيويوركر" لأفضل عشرين مؤلف خلال القرن الحادي والعشرين.
ونالت هذه المجموعة القصصية جائزة "بوليتزر" في الأدب في العام 2000، وتعد هذه الجائزة الرفيعة واحدة من مجموعة الجوائز والمنح التي تقدمها سنوياً جامعة "كولومبيا" في الولايات المتحدة الأميركية في مجالات الخدمة العامة والصحافة والآداب والموسيقى، وهناك الكثيرون ممن حصلوا على جائزة "بوليتزر" نالوا جائزة "نوبل" ومنهم: "إرنست هيمنجواي" و"توني موريسون" و"سنكلير لويس" و"ويليام فوكنر"، ومن المسرحيين "بوليتزر" و"أوجين أونيل" و"آرثر ميلر" و"إدوارد آلبي" و"نيل سايمون".
يذكر أن المترجمة مروة هاشم التي قامت بنقل هذه المجموعة القصصية إلى العربية، صدر لها من قبل عدة كتب منها: "عبودية الكراكيب"، و"فن الحياة"، و"تقنيات الأداء المسرحي"، و"كيف تصبح ممثلا موهوبا"، إضافة إلى العديد من المقالات والحوارات الصحفية في الصحف والمجلات العربية.