الأمن الإنساني في 'تكلفة الصراع في الشرق الأوسط'

حيث يبتسم الناس

الإسكندرية – قام معهد دراسات السلام التابع لحركة سوزان مبارك الدولية للمرأة من أجل السلام، والذي تستضيفه مكتبة الإسكندرية، بترجمة وإصدار كتاب "تكلفة الصراع في الشرق الأوسط " Cost of Conflict in the Middle Eastالصادر عن مجموعة ستراتيجيك فورسايت بالهند، وهو عبارة عن تقرير يناقش التكلفة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية للحروب المشتعلة بمنطقة الشرق الأوسط، ويقارنها بكلفة إحلال السلام.
وقالت الدكتورة عزة الخولي، نائب مدير المعهد، إن تقرير "تكلفة الصراع في الشرق الأوسط" يركز على الأمن الإنساني في الشرق الأوسط، والشعوب الموجودة بالمنطقة، ويهدف إلى إعطاء تقديرات شاملة لتكلفة الصراع وفوائد للسلام في الشرق الأوسط. وأشارت إلى أن التقرير هو مدخل مبتكر لحث الجمهور العام والخبراء والقادة في الشرق الأوسط على التأمل في حجم ما خسروه بسبب الصراعات، وحجم الخسارة المتوقعة في المستقبل، والتأمل في المكاسب التي سوف تعم على الجميع في حالة تحقيق السلام.
قام بإعداد التقرير الذي يقع في 177 صفحة الباحثان سنديب ويسليكار وإلماس فوتهاللي، ويدعم التقرير أربع منظمات تابعة لدول محايدة، وهي حزب العدالة والتنمية في تركيا، والإدارة الفيدرالية للشئون الخارجية في سويسرا، ووزارة الشئون الخارجية في النرويج، ومؤسسة قطر ومكتب الأمير في قطر.
وتناقش الفصول العشرة للكتاب بالتفصيل التكلفة الاقتصادية والعسكرية والبيئية، والاجتماعية والسياسية للصراع، والتكلفة على الشعب الفلسطيني وإسرائيل، والتكلفة للمجتمع الدولي، ومزايا السلام الدافئ، وسيناريوهات السلام في 2025، وسلم بناء السلام. ويأتي التقرير مدعومًا بالإحصاءات والرسوم البيانية لتوضيح نتائج التقرير بالأرقام والصور.
ويعتمد البحث على أدوات بحثية تم تطويرها لدراسات عن الصراع بين الهند وباكستان وسريلانكا، كما أنها تركز على التكلفة المستقبلية، باستخدام منهج بناء السيناريوهات للسنوات من 2009 إلى 2025. وتقوم الدراسة على أساس بحث مكثف على مستوى الاقتصاد الكلي، ومُداخلات من خبراء من الشرق الأوسط، ومناقشات عديدة مع أشخاص من المنطقة، ونصائح من خبراء السياسة الدولية. ويُقيًّم التقرير التكلفة في الماضي والحاضر والمستقبل بالمنطقة، مع الأخذ في الاعتبار نطاق واسع من المعايير، وبالتالي فهو يعمل على توسيع الفهم لأنماط الصراع، والاختيارات التي يمكن استخدامها لتبني منع الصراعات وحلها.
ويأخذ منهج تكلفة الصراع في الاعتبار التكلفة المختلفة الناتجة عن الصراع، كما أنه يميز بين التكلفة للأشخاص والتكلفة للدول المعنية بالصراع، وكذلك التكلفة بالنسبة للمجتمع الدولي. ويقوم منهج تكلفة الصراع بمقارنة هذه التكلفة مع المنافع التي قد تنتج عن السلام، ويأخذ في الاعتبار التكلفة المباشرة للصراع، مثل الوفيات البشرية والمصروفات العسكرية وتدمير البنية الأساسية؛ والتكلفة غير المباشرة التي تقيس تأثير الصراع على المجتمع، مثل تكلفة الهجرة والإذلال ونمو التطرف وعدم وجود مجتمع مدني.
ويبين "تكلفة الصراع في الشرق الأوسط" أن الناتج الإجمالي للخسائر الاقتصادية في الشرق الأوسط هي اثنا عشر تريليون دولار، في الفترة من عام 1991 إلى عام 2010. ويشير إلى أن فترات السلام قد أظهرت أن الدول يمكنها أن تنمو بمعدل 6% من إجمالي الناتج المحلي في السنة. ويرجع الفشل في تحقيق نمو في الشرق الأوسط، وفقًا للتقرير، إلى عدم الاستقرار السياسي والصورة العامة بالمنطقة، وهي تلك المرتبطة بالتطرف والصراعات العنيفة.
ويُظهر التقرير أن الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر تسليحًا في العالم بجميع المقاييس، من حيث نسبة إجمالي الناتج المحلي المخصصة للنفقات الدفاعية، والخسائر في أرواح المدنيين، وعدد الشباب من الرجال المرتبطين بالقطاع الأمني في شكل أفراد أساس أو أفراد احتياط أو قوات شبه عسكرية. ويتحمل الشرق الأوسط أعلى نفقات عسكرية في العالم، حيث قام بتخصيص في المتوسط 6% من إجمالي الناتج المحلي على النفقات العسكرية في عام 2005.
ويشير الكتاب إلى أن الصراعات الموجودة في الشرق الأوسط منذ عام 1948 وحتى 2008 كانت في الأساس صراعات سياسية ذات أبعاد اجتماعية ودينية قوية، والتلف الذي حدث في البيئة كان نتيجة لهذه الصراعات، ولكن في المستقبل قد تتحول موارد البيئة، خاصة ندرة المياه، إلى سبب للصراع، إضافة إلى كونها نتيجة للصراع.
ويبين التقرير أن الصراع له تكلفة اجتماعية أيضًا، فإن سياق الصراع يخلق شعورًا باليأس ويروج للآراء المحافظة اجتماعيًا، ويقوي القوات من خلال الرؤية المطلقة والنزعات الاستبدادية وكبت الإبداع ووأد الأمل. وعلى مدار السنوات، أدى الصراع إلى ضعف نسيج العلاقات الإنسانية القائم على الثقة والأخلاق، ودمر الأطفال وذوي الفكر، ولم يعد هناك علاقات مدنية طبيعية بين العامة والحكومة في العديد من الدول.
ويذكر الكتاب أن الصراع كان له بالغ الأثر على الشعب الفلسطيني، فقد بلغ عدد الوفيات منذ انتفاضة عام 2000 أكثر من أربعة آلاف شخص، كما تزايد عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع في عام 2006 لأكثر من مليون شخص. ويعاني حوالي 42% من الأسر الفلسطينية في المناطق التي تأثرت بالجدار الفاصل من مشاكل في الوصول للخدمات الصحية، وكان التأثير الأكثر تدميرًا للصراع هو انهيار المؤسسات الفلسطينية.
ويؤكد التقرير على أهمية بناء السلام الدافئ في الشرق الأوسط، والذي يمكن وصفه بأنه ليس فقط غياب العنف ولكن وجود تناغم اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي نشط، وعندما تبدأ المنطقة الدخول في عصر السلام، يصبح من الممكن التفكير في مشروعات جديدة وخلق تأثير متعدد. ويقدر التقرير تكلفة التغيير بالنسبة للعرب وأرباح السلام بمبلغ 52 مليار دولار، ويمكن أن يؤثر السلام بالإيجاب على عدد كبير من المجالات ومنها النقل، والروابط الإجتماعية، وفرص التجارة، والتنوع الاقتصادي، والدخل، وفرص العمل، ونمو القطاع الخدمي، ونمو المستوى المتوسط، والتعليم العالي، والسفر والاتصالات، والروابط الاجتماعية، والتكامل في الاقتصاد العالمي، والاستثمار الأجنبي المباشر، والتنوع الاقتصادي، والتطور التكنولوجي، والاستقرار.
ويبين الكتاب أن الصراع في الشرق الأوسط قد كلف اقتصاد العالم والبشرية أكثر بكثير من الظاهر، فهو يتحمل 30 -50% من محركات الإرهاب والحرب ضد الإرهاب وارتفاع أسعار النفط. ويضع الكتاب أربع سيناريوهات مختلفة لما يمكن أن يكون عليه عام 2025 وتأثيرها على السياسة الدولية والاقتصاد العالمي. ويقدم الكتاب في فصله الأخير عملية تحويل سيناريو "حيث يبتسم الناس"، وهو السيناريو الأمثل، إلى سيناريو قابل للتحقيق.
ويستنتج التقرير أن ضخامة وتنوع التكلفة المباشرة الناتجة عن الوجود المستمر للصراعات والحروب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يعيق التطور السلس لكل مجتمع بالمنطقة، كما أن حجم المكاسب التي قد تنتج عن السلام بالمنطقة كلها ممثل في رسوم بيانية وأشكال موضحة، لتبين أنه يجب التغلب وبسرعة على الإحساس المفهوم بالخوف أو الظلم الموجود في جذوره.