خارطة طريق للشيعة في السعودية: أهل القطيف بين رؤيتين

بقلم: خالد بن محمد البديوي

منذ أشهر والمناخ الثقافي في مدينة القطيف يشهد حراكاً استثنائياً، يطفوا على الساحة كتجاذب بين رؤيتين من أجل رسم "خارطة طريق" للشيعة في المملكة العربية السعودية.
حدثان متتاليان أوقدا شرارة هذا الصراع. الاول كان قيام لجنة محلية في القطيف بتكريم رئيس المحكمة العامة وقاضي آخر بمناسبة انتهاء عملهما في القطيف. والحدث الثاني كان استقبال الشيخ حسن الصفار الدكتور سعد البريك في منزله على وليمة غداء بحضور نخبة من البارزين من القطيف والأحساء.
فقد انقسم النخبة في القطيف بين رؤيتين؛ الأولى يمثلها حسن الصفار، حيث يتبنى تحقيق مطالب الطائفة مع الانفتاح والتواصل مع جميع التيارات السنية -حتى التي يعتبرونها متشددة- لأنه من وجهة نظرهم سيسهم في مزيد من المكاسب؛ والرؤية الثانية يمثلها الشيخ منير الخباز –وهو من أبرز علماء القطيف اليوم إن لم يكن أبرزهم- حيث يرفض مبدأ التواصل مع أهل السنة إلا في إطار تحقيق مصالح الطائفة فقط.
التجاذب تطور في بعض صوره إلى إساءات، كان أبرزها قصيدة الشيخ محمد الفردان في مجلس الغدير بتاروت (من قرى القطيف) في شهر مايو/ايار الماضي، حيث سخر من الصفار وشبه الحاضرين لوليمته بالسامرية (أتباع السامري الذي أضل قوم موسى)، وقد لقيت هذه الإساءات معارضة شديدة حتى من بعض معارضي الصفار.
وقد تطور التدافع بين الرؤيتين فأخذ شكلاً منهجياً، حيث اعتبر منير الخباز هذه المسألة متصلة بضوابط العلاقة مع الظلمة (وهو مصطلح لأعداء الشيعة في التراث الإثني عشري) واعتبر تكريم الظلمة وأعوان الظلمة من الكبائر. وقال في خطبة الجمعة يوم 18 يونيو 2010م: القضية الأساسية الأولى لنا جميعاً هي الإسلام والتشيع وأما القضايا الأخرى مثل المواطنة، والتعايش السلمي، والحوار الوطني كلها وسائل، وقضايا ثانوية، وليست أهداف.
وفي مقابل ذلك اعتبر الشيخ عباس الموسى (عالم شيعي) أن إطلاق تحريم التعاون مع الظلمة من القصور في النظرة مفرقاً بين الإعانة على الظلم والإعانة على المباح وأن بعض الفقهاء ربط التحريم بالسلاطين الذين صدرت النصوص في زمنهم. مشروع ولا مشروع في الأول من رمضان الحالي التقى الشيخ منير الخباز بجمع من المثقفين، وقد سألوه بشكل صريح: ما هو مشروعك؟ فلم يذكر مشروعاً محدداً، وقال "إن لغة أنا لدي مشروع، وأنت لديك مشروع هي لغة صبيانية"، وتابع "اللغة الصحيحة هي أن لدينا مشروعا واحدا وهو الطائفة وحقوقها". وأكد أن التواصل مع أهل السنة وسيلة لا مشروع.
وقد علق الكاتب عبدالباري الدخيل –وهو من المحسوبين على جناح الصفار- بأن كلام الخباز صحيح على المستوى الفردي والقضايا الشخصية، لكن في القضايا المصيرية للطائفة فالأصح أن يكون له مشروع.
ومع كل هذا التجاذب الحاصل في القطيف وصراع الرؤى إلا أن الشيعة في الأحساء رأيناهم بعيدين عن آثار هذا الحراك، ربما لأن شيعة الأحساء ليس لديهم الهواجس التي تسيطر على نفس (الخباز ومؤيديه)، وهو ما يبين أن جزء من هذا الصراع له أبعاد اجتماعية ولكن بواجهة دينية.
الكاتب حسين جليح-من القطيف- اعتبر الانقسام في الرؤية يمثل مدرسين سماهما "المبدئية" و"البراغماتية"، وهو تعبير مقارب للواقع، ولكن النتيجة واحدة وهي أن القطيف أصبحت بين من يتبنى "مشروع" وبين من يتبنى "لا مشروع."
ومن وجهة نظري فإن هذا التدافع بين الرؤى الداخلية بين شيعة القطيف سوف يسهم في "نُضِج" الحالة القطيفية وقد يُطور كلا الاتجاهين إمّا سلباً أو إيجاباً، وهو ما قد نشهده في الأيام القادمة.

خالد بن محمد البديوي
باحث متخصص في التيارات الدينية