أهلا جون في رمضان!

بقلم: عبدالواحد محمد
على موعد مع الفتن

تمتمت ببعض العبارات التي تسبق حديثي معه لكي أضع الأمور مجتمعة في حجمها المناسب، وخاصة أن السيد جون (وهذا ليس اسمه إنما لقبه الذي عرف به نظرا لملامحه التي تشبه الخواجات وعقله الذي طار بلا عنوان إلى أوهام صنعها بدون بهارات فلفظها من حوله سريعا) يصر علي أنه ملك بدون سلطة رسمية؟
عموما جاء أول يوم من أيام رمضان الحالي وتقابلنا في ممر صغير وهو يدلف منه إلي حيث مقصده، وأنا أهنئه بالشهر الكريم وخالص التمنيات الطيبة وهو يرد ببضع كلمات موجزة، وعيناه تحملان أكياسا قطنية، هكذا خيل لي بل شعرت أن لكنته بها مس خواجاتي، وليست لكنة أبناء الريف في بحري ، كأحد مواليدها رغم أنه لم يغادر إلى أوروبا من قبل سوى مرة واحدة لمدة خمسة أيام، وكانت في إيرلندا بحكم عمله مهندسا ميكانيكا، لكنها كانت على ما يبدو صدمة نفسية، وليست حضارية.
جون يصر على أنه ملك، ويحق له التمتع بمميزات الملكية مهما كان الأمر، لأنه يتكلم بعض الإنجليزية، ويلعب الشطرنج أحيانا مع نفسه عندما يغلق حجرة نومه عليه؟ يقرأ بعض نصوص قديمة في ذهنه الذي لم يعد يقوى على القراءة المتأنية الورقية أو الرقمية أو ذات الفائدة، لأنه يمثل كل ليلة شخصية ملك القطن؟ لعله يجد نفسه في هذا الدور، وهذا ما كان يبدو جليا في عينيه الخضراوين وهو يحدثني في كل لقاء عابر. وصدفه خير من ألف ميعاد هكذا يتمتم؟
لكن ملك القطن جون كان في حقيقة الأمر متمردا على نفسه لا يعرف ما الذي يريده، فكثيرا ما التقينا سابقا في مكتبه، وكان يمدح (سين) بكل الفضائل التي تؤكد أن هذا الكائن البشري لا مثيل له من حيث الخلق والأمانة والدين .. الخ. وبعد يوم من اللقاء تجده قد انقلب على هذا الشخص وحوله إلى بحر من الفسق والغباء وبلا ضوابط رغم أن قسمات وجه تبدو هادئة، وكأنه يعد خطة عسكرية لمقاتلة عدو مغتصب للأرض والوطن؟ لا حول ولا قوة إلا بالله وتذكرت رئيسا له منذ سنوات كان تربطني به صداقة عميقة وكان يطلعني على كثير من خفايا جون وأهمها أنه على حد تعبيره الساخر ينزل في أول محطة؟ وماذا تعني الكلمة يا عمنا؟ فتجد الاجابة على شفتيه ترقص كأنه يقول لي العبارة واضحة! عموما سوف أبسط الأمر لك أنه غير ثابت في مشاعره تجاه البشر فمن الليل حتى النهار ألف وجه ووجه ووجه؟
نعم كان جون ملك القطن وهو يواصل نشيده اليومي بصفحات من فتن لا أول لها من آخر، وبشكل يدعو للسخرية لأنه في الحقيقة أصبح محروقا لكل من عرفه أو سمع به، ومع هذا يصر أنه ملك القطن، وهذا سر اعكتافه يوما بعد يوم في عالمه السري يعد ويخطط ويتكتك من أجل معركة حربية قادمة؟
لكن شخصية جون بالنسبة لي ككاتب كانت ممتعة جدا لما فيها من ثراء كوميدي رغم أنه لم يقصد ذلك، بل كانت سماته مسرحية، وتشعر عندما تقرأ وجه الخواجاتي أنك تعيش مع عالم المسرحي الكبير بيكيت وشكسبير وغيرهما من عمالقة المسرح العالمي فكثيرا ما أنتابتني نوبة ضحك لا إرادية وهو يحدثني عن شخص ما أو شخصية ما فلم يسلم منه الجنسان معا ذكر وأنثي؟ فهو على موعد دائم مع الفتن وتوجيه الاتهامات بعقلية ملك القطن وبلهجة خواجاتي جدا؟
لذا وجدت من المناسب الاحتفال بهذا الشخص وتسليط الضوء عليه لأنه بحاجة ماسة لمن يكتشف مواهبه السحرية، ولعلني هنا أكون قد سلطت بعضا من ضوء على خصاله الرفيعة؟ بل أعتكف على كتابة رواية هو بطلها بلا منازع لأن به كما كبيرا من المتناقضات التي تخدم العمل الروائي من زوايا كثيرة، ومن بين هذه المتناقضات حقا أنه يصلي الفروض الخمس في أوقاتها ويطيل في السجود والركوع وتجده مساعدا أحيانا بالمال لبعض المحتاجين. وأحيانا تجده يسارع في السؤال عن مريض بل يذهب له للمستشفي إذا تتطلبت الظروف لكنه بعد هذا كله يطلق عليهم اللعنات بلكنته الخواجاتي وبهدوء كأنه يعد خطة جديدة من خطط الألفية العسكرية لطرد المحتل، ولا أملك غير الضحك والدعاء لملك القطن من كل قلبي لأنه أنعشني في حرارة الصيف وعناء يوم طويل من الصيام بكوب ماء مثلج من عصارة مواهبه في تنقيح كل البشر؟! عبدالواحد محمد abdelwahedmohaned@yahoo.com