مفاوضات مباشرة لأهداف مغايرة

بقلم: د. خليل حسين

في علم القانون الدبلوماسي وفن التفاوض ثمة قواعد وأصول متعارف عليها ومعتمدة وبخاصة لجهة الانتقال من المفاوضات غير المباشرة الى المباشرة، ابرزها كسر الحاجز النفسي بين الطرفين، ووصول القضايا ذات الصلة الى نقاط ايجابية متفق عليها، علاوة على استنفاد الاغراض غير المباشرة للتفاوض. فما الذي حصل من كل ذلك بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي ليتم الانتقال من مرحلة الى اخرى؟ وما هي خلفيات الاصرار على الانتقال؟ وهل ان الظرف الفلسطيني والعربي مهيئ للمفاوضات المباشرة؟
ان استعادة ذاكرة التفاوض القريبة كما البعيدة بين الطرفين، تثبت ان لا اشارات ولا مواقف مشجعة، تبرر تبديل اسلوب التفاوض،سيما وان الجانب الفلسطيني بالتحديد لم يتمكن حتى الآن من تحقيق شيء يذكر يمكن الارتكاز عليه عند انتقاله للمفاوضات المباشرة، بل من الممكن ان يكون هذا الاسلوب عبئا اضافيا على المفاوض الفلسطيني بمواجهة الاسرائيلي دون وجود فريق آخر يكبح جماح الضغوط الاسرائيلية المعتادة.
قبل عقدين من الزمن، وبالتحديد عند انطلاقة مؤتمر مدريد للسلام سرعان ما تم فكاك المسارين الفلسطيني والاردني مع اسرائيل، وفيما تمكنت عمان من التوصل الى اتفاق وادي عربة، تمكنت اسرائيل من جر الفلسطينيين الى متاهة المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ،السرية منها والعلنية، وفي كل تلك التشكيلات التفاوضية لم تتمكن السلطة الفلسطينية من ان تأخذ وعدا قابلا للبناء عليه، فكانت المفاوضات هدفا بحد ذاته لا وسيلة للوصول الى حلول لقضايا محددة، وجل ما سعت اليه اسرائيل شراء المزيد من الوقت لتحسين ظروف التفاوض على مواضيع كانت مرفوضة سابقا.
طبعا قبل اقل من اربعة اشهر، اعطى العرب الفرصة الذهبية لاسرائيل على قاعدة علَّ وعسى، لكنهم نسوا او تناسوا ان عشرات الفرص قد اعطيت سابقا منذ العام 1982 في قمة فاس العربية، وصولا الى اعطاء الضوء الاخضر للفلسطينيين بالتفاوض المباشر، وكأن العرب قد أدوا قسطهم للعلا في دعم الفلسطينيين ماديا ومعنويا لاطلاق يدهم في مفاوضات متكافئة ومتوازنة!
في جولات المبعوث الاميركي جورج ميتشل، لم يتمكن من كبح جماح الحكومة الاسرائيلية ورئيسها، بل اعطاها فرصا اضافية لتنفيذ مشاريعها في ظل وهم المفاوضات غير المباشرة، فماذا عن المستوطنات في الضفة الغربية وماذا عن الاستثناء الذي شمل القدس؟ وماذا عن الحدود وعن وعود الدولة التي باتت تشبه تماما دولة افلاطون وارسطو الفاضلة غير القابلة للمنال.
في الواقع لا شيء جديدا يبرر اطلاق مفاوضات مباشرة دون جدول اعمال واضح الاهداف والغايات. ففي ظل القضايا السالفة الذكر المستوطنات والقدس والحدود وغيرها لا زالت اسرائيل غير مستعدة للاقتناع بالتفاوض حول تلك القضايا،بل هي وفي ظل ظروفها الحالية لا يعدو الأمر كونه محطة دبلوماسية تخدم اغراضا اعلامية، في وقت اهتزت صورتها لدى المجتمع الدولي بعد جريمة اسطول الحرية.كما ان الأمر يمكن استغلاله واستثماره في وجهات اخرى كاظهارها الدولة التي تبحث عن السلام في الوقت الذي وتّرت الاجواء الامنية على الحدود مع لبنان وقي ظل ما يظهر من معلومات ووثائق عن اتهامها في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ان قراءة تاريخ التفاوض الاسرائيلي مع الجانب العربي وبخاصة الفلسطيني، يظهر ثوابت متعددة الأوجه والأسباب والغايات، من بينها، حرص اسرائيل على استمرار آليات التفاوض المباشر دون تقديم تنازلات في الوقت الذي تعمل فيه على تكريس امر واقع اولا، وثانيا عدم تقديم أي مقترح أو مشروع رسمي خلال المفاوضات، باستثناء تقديم لاءات معروفة، كعدم عودة اللاجئين أو العودة الى حدود ما قبل 1967 القدس عاصمة أبدية لاسرائيل ولا لعودة القسم الشرقي منها للفلسطينيين، اضاقة الى عدم إزالة المستوطنات في الضفة، لكن بنعم لسلطة فلسطينية منزوعة السلاح. وثالثا تفنن إسرائيل بالاستماع إلى المبادرات العربية، فترحِّب بها وتأخذ ما يفيدها وتتجاهل ما ترفضه وتطالب بالمزيد من التنازلات.
لقد سعت اسرائيل بشكل دائم الى عدم السماح لأي طرف الدخول بشكل جدي في المفاوضات مع الفلسطينيين لا من الامم المتحدة ولا حتى الادارة الاميركية، بهدف استفراد الجانب الفلسطيني وفرض ما تراه مناسبا من وجهة نظرها. علاوة على سعيها الدائم لشراء الوقت بهدف التنصل من الاستحقاقات والتهرّب من الالتزامات ان وجدت، والعودة الى الوراء لأتفه الاسباب.
ان التدقيق في جولات التفاوض الأخيرة غير المباشرة، تظهر ان هدفها الاساسي كان اجبار الفلسطينيين الدخول مجددا بمفاوضات مباشرة لا افق محددا لها، لا في الزمان ولا المكان، بل في أحسن احوالها ستكون مناسبة لاجراء جولات جديدة من الضغوط السياسية على السلطة الفلسطينية من جهة، وتهيئة ظروف الضغوط الامنية والعسكرية على فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة وغيرها.
اما الأخطر من ذلك، ان تكون هذه المفاوضات المباشرة بداية لخريطة طريق تفاوضية مع اطراف عربية اخرى كلبنان وسوريا مثلا، وأن تُستعمل الساحة اللبنانية بعد اشغالها داخليا كبيئة لتغطية ما يمكن ان يتم في المفاوضات المباشرة. ثمة معطيات وقرائن وادلة تشير الى ان المنطقة تعيش حالة من الغليان السياسي والأمني القابل للانفجار، فهل ستكون المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة مدخلا جديدا لاسرائيل لادارة ازماتها الداخلية واستحقاقاتها الخارجية؟
د. خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية