شاكر مصطفى واعتراف عن نزار قباني

بقلم: زيد الحلي
شاكر مصطفى يتحدث لزيد الحلي

قليل من المفكرين والكتاب من يحظى بقبول جمعي عند المثقفين وقادة الرأي، ومن هؤلاء د. شاكر مصطفى، المفكر العربي السوري، الذي ودع الدنيا في يوليو- تموز1997، فيما بقيت مؤلفاته وأفكاره تتلاطم أمواجها، مسجلة أفكاره بثبات ورقي، قلّ مثيله.
وقد تلمست أهمية هذا الرجل من خلال شيئين، لازما ذاكرتي منذ عقود، كان أولهما في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، حينما كنت مراسلاً لصحيفة "الوطن" الكويتية إلى جانب عملي الرئيس مديرا لملحق "جريدة الثورة"... ففي ذلك الحين زار وفد من الأدباء المصريين بغداد، بدعوة، أظنها كانت من الجريدة، وكان ضمن الوفد المسئول الثقافي لصحيفة "الأهرام".
وفي دعوة عشاء على شرف الوفد المذكور، تصادف جلوسي بالقرب من ذلك المسؤول الثقافي، وما أن عرف بأنني مراسل لصحيفة "الوطن" الكويتية، حتى رجاني بإجراء حوار مع المفكر شاكر مصطفى، حينما تتاح لي الفرصة لزيارة الكويت... وقد وعدته خيراً، رغم استغرابي للطلب!
كنت، آنذاك غير مطلع على تراث الدكتور مصطفى، سوى ما كان يرد من شوارد المعرفة البسيطة من الصحف والمجلات... وفي اليوم التالي كنت عند الأستاذ "عزيز السيد جاسم" طالباً المزيد من أضواء المعرفة عن هذا الرجل الذي حدا بصحيفة عريقة هي "الأهرام" لطلب إجراء لقاء حوار معه من صحفي عراقي!
ومع ضحكة ودودة، مسك "أبا خولة" عزيز السيد جاسم، يدي ليدلف إلى مكتبة بيته العامرة، ليؤشر على رف كامل أزدان بمؤلفات المفكر د. شاكر مصطفى وأذكر منها: معالم الحضارات، العالم الحديث، حضارة الطين، في ركاب الشيطان، في التاريخ العباسي، العرب في التاريخ وغيرها.
ولم تفتنِ الفرصة، لأطلب ما كان "أبا خولة" ممتنعاّ عن إعطائه، وأعني بذلك كتبه العزيزة التي لها شئ خاص في ذاته.
طلبت بعض مؤلفات المفكر مصطفى، مع وعد مني بإعادتها بعدة مدة قصيرة، وافق الرجل النبيل، على إعارة تلك الكتب العزيزة، كما أوفيت بوعدي، حيث أعدتها بتجليد مذهب.
قرأت تلك الكتب فأزدتُ معرفة بأفكار الرجل الموسوعي شاكر مصطفى.
وزرت الكويت في العام 1981 ... والتقيت الدكتور شاكر مصطفى، وجدته إنساناً ثابت النفس، راجح الحلم، مصيب الفكر... حاورته فوجدته قرشي الأسلوب كلامه صاف مشرق، لم أجد فيه عوجاً أو أمتا وقد خاض في نقاش مسائل فكرية ربما هي عصية على الإفهام لكنه بأسلوبه الممتع ألأخاذ البسيط تجعل المرء يستوعب ما يرمي إليه، وقد أرسلت الحوار ونشر في "الأهرام".
وتلك كانت بدايتي مع تلك الصحيفة العريقة التي نشرت فيها لاحقاً العديد من الموضوعات الصحفية.
من الأفكار التي أستمر د.شاكر مصطفى في المناداة بها، هي إن المجتمع العربي بحاجة إلى ثورة على السبات العقلي الذي طبع رجال الفكر العرب في الفترات الماضية، وقد سبب له هذا الرأي العديد من الإشكالات والمعارك الفكرية لكنه خرج منها منتصراً معززا انتصاره بالتأكيد على ضرورة التمرد على الطروحات والأفكار التي أعلن الزمن والتاريخ وفاتها وحذّر من تلقين عقول وذهنيات النشء الجديد بأسمال الأفكار البالية، وكذلك من التبعية لأنها تجعلك (أنت غير ما أنت) أي يصبح المرء ذيلاً للأخر.
كما كان يحذر باستمرار من الإيقاع السريع الذي يدفع المجتمعات كالحصى أمام السيل الهادر، وكان ينادي بالاستقلالية الثقافية مؤكداً إن ذلك هو نقيض التجمد والتحجر، وفي مفهومه أن الاستقلالية ليست الحفاظ على التراث والانكماش ضمن قوقعته، فالثقافة التي لا تتطور تموت أنها كائن حي إما إن تتغير أو تموت.
والثقافة في منظور د. مصطفى هي تلك التي تعطي للإنسان موقفاً متميزاً من قيم ومعارف وسلوك وعلوم، ولا أمل للأجيال اللاحقة بأن تكون باهرة ومستقرة إلا بالعلم والثقافة والتكنولوجيا والدأب على ممارسة البحث العلمي.
ويرى إن التقدم الحضاري مقترن دوما باستثمار العقل واستثمار كل ما من شانه نهوض الأمة وهذا لا يتم إلا بالوصول إلى مواقع الرقي والارتقاء، وان الرهان على المستقبل، يعني (عند د. مصطفى) الرهان على العلم والمعرفة والثقافة وأسواق هذا المستقبل وسلعه هي الأفكار والمعطيات.
ويدين الأدب البرازيلي للدكتور شاكر مصطفى بالفضل الكبير على مؤلفه، العميق المتمثل بكتابه القيم (الأدب في البرازيل) كما قدم أدب أميركا اللاتينية للقراء العرب من خلال مراجعته موسوعة مترجمة من مجلدين، حيث أضاف إليها الكثير من أدب أميركا اللاتينية ببلدانها المتعددة، وتعتبر مقالاته التي كان ينشرها تحت عنوان "هل هناك أدب مهجري؟" من أهم ما كتب في مجال آداب أميركا اللاتينية، حيث فند هذه التسمية من خلال تجربته الشخصية التي استمرت خمس سنوات، وهو من الأوائل الذين وقفوا أمام الأدب البرازيلي لمعرفة الترابط بينه وبين الأدب العربي، وقد بشّر قبل عقود من الزمن بان بلدان أميركا اللاتينية قادمة!
لقد لاحظت، أن د. مصطفى يركز، سيما في كتبه التاريخية على الأسلوب الأدبي في التناول، حتى لتخال إن الشخوص التاريخية التي يتناولها كأنها حالة معاشة في الوقت الراهن، والمتابع لنتاجات هذا المفكر، يلحظ محاربته لأشكال الظلم مهما لبس من أقنعة الخداع ... وتلك خصلة، قرّبته لقارئه وجعلته أنموذجا إنسانياً رائعاّ.
انه يرى أن الحرية هي أهم معاول هدم الظلم، وإنها النسيم الذي تستنشقه روح الحياة، وان تعكر صفو الحرية بالظلم، شلّت نبضات القوة في هيكل الحياة.
وليس في القول من مبالغة عندما نؤكد أن د. شاكر مصطفى من الشخصيات التي تفرض الحب والإعجاب للوهلة الأولى، وقد حدثني قائلا "انه كان متحررا منذ صباه، شجاعا، قوي البنية، وكان ظاهره كباطنه، لم يضمر حقداّ ولا حسداّ ولا تعصباّ، وكان أصدقاؤه من مختلف الأجناس، أقربهم إليه أعلاهم أدبا وأكرمهم خلقا.
ولعل من الطريف والمفيد، أن أشير هنا، أن د. شاكر مصطفى أطلعني على رسالة كتبها له الشاعر "نزار قباني" قال فيها مانصه (... بالنسبة لي لا قيمة لكتاب يصدر عني ولا يجد توقيعك... لأن لا أحد يعرف قيمة شعري أكثر مما تعرف أنت ... أكتب عني يا شاكر لأني أولد على يديك ثانية)
وعلى هذا المنوال، كتب نزار قباني مقالة عن إصدار للدكتور شاكر مصطفى قال فيها ما لم يقل سابقاً بحق أحد "لا أدري لماذا كلما قرأت قطعة لشاكر (...) تذكرت رقص الباليه دون أي فن أخر، فغليان حروفه على الورق... والتنوع الذي يمطرك به كقطيع نجوم، والغنى والأناقة التي قدم بها أفكاره، والزركشات الشعرية التي يضعها في طريقك كالهدايا يقع عليها الأطفال في المدفأة في ليلة عيد الميلاد... كل هذا يذكرني بلوحات الباليه، وبحديث الأرجل وهي تلمس خشب المسرح لمساً حنوناً يشبه طيران الفراش الليلي، وحديث الرسغ والمفصل وصلاة الأصابع وهي تفتح دربها إلى الله، وحوار الأظافر وهي تمسك نجمة وتفلت نجمه"
وفعلاً، إن د. شاكر مصطفى في مؤلفاته، لا يرمي حروفه على خشبة المسرح، كل فكرة لديه تعرف موضعها وكل نقطة، كل فاصلة تعي دورها، وتأخذ مكانها المرسوم لها.
رحم الله د. شاكر مصطفى الذي رحل وترك أفكاره، ومؤلفاته تدور في سماء العالم، تعطي مدرارها لمن يحتاج.
زيد الحلي: كاتب وصحفي عراقي مقيم في دمشق