شباب البطالة!

بقلم: محمد كركوتي

"ما جدوى أن تكون عبقرياً طالما أنك لا تستطيع أن تستخدم عبقريتك كحجة لبطالتك"
جيرالد بارزان كاتب ومؤلف أميركي
إذا كان انهيار المصارف والمؤسسات الكبرى والصغرى، مثَل الوجه "البطولي" للأزمة الاقتصادية العالمية، فإن انتشار البطالة بأنواعها (وهي كثيرة) يُمثل وجهاً بطولياً للأزمة الاجتماعية – المعيشية – الإنسانية، التي وُلدت (ولا تزال تتوالد) من الأزمة الكبرى. والمفجع، أن مصيبة البطالة، هي عبارة عن مجموعة من المصائب، بدأت بتسريح الموظفين والعمال، بأعداد تاريخية هائلة (قسراً وطوعاً)، واستمرت بتشغيل الأطفال، وارتفاع عدد الشبان العاطلين الذين لم يدخلوا أصلاً سوق العمل، بل وتسريح من دخلوا منهم بالفعل إلى هذه السوق، لفترات تحسب بالأشهر لا بالسنوات ولا بالعقود. ماذا كانت النتيجة؟ تعاظم الفقر والجوع والجرائم والضياع الاجتماعي، وتشتيت شمل الأسر، بل وانهيارها! وقد وصل الأمر إلى حد، تغير معه مفهوم أن المصائب الكبرى تولِد مصائب صغرى. فما نشهده على الساحة العالمية، أن المصائب الكبرى تأتي بمصائب كبرى، وفي بعض الحالات توِلد مصائب أكبر منها!
وهذا ليس غريباً في عالم هائم بما هو غير مُحتمَل وما هو غير مُتصَور وما هو غير وارد. إنه عالم "العجائب" الاقتصادية، التي صدمت الجميع، بما في ذلك أولئك الذين ارتكبوا الأزمة الكبرى، وكانوا يدَعون بأنهم يملكون الرؤية التي تُمكِنهم من تفادي الأزمات والمصائب، وأنهم يستطيعون إصلاح الخلل فور وقوعه.. بل وتفاديه!. وكانت النتيجة، أن الخلل لم يكن سوى كارثة، لا تحدث إلا مرة كل قرن من الزمن، كما قال "زعيم" المُدعين الاقتصاديين آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق (البنك المركزي)!. والمشكلة، أن المصيبة الكبرى جداَ، لم تترك مجالاً للتحرك الفعال والسريع أو المناورة الضرورية. بل لم تفسح المجال، حتى لتصور الممكن أو المتاح!. سدت كل الطرقات والمنافذ، وأصبح التحرك – أي تحرك – معها شيئاً من العبث، وفي أحسن الأحوال بلا جدوى. ولعل هذه المصيبة هي الوحيدة في التاريخ، التي لن تزول، دون أن يكون للزمن حصة تصل إلى 90 بالمائة من الحل!. لماذا؟ لأن أدوات الحلول لم تعد صالحة، والصدأ الذي أصابها، تجاوز إمكانيات إعادة تأهيلها للعمل، إلى جانب أمراض "الشيخوخة" الاقتصادية التي ضربت الدول الكبرى في الوقت المناسب. أي أنها لم تُصب بـ شيخوخة" مبكرة.
في منتصف ثلاثينات القرن العشرين، وفي عز الكساد العظيم، كان العالم أكثر واقعية وحكمة، عندما وضع كارثتين لا ثالث لهما على رأس أولوياته. البطالة، والتهديد بنشوب الحرب. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبعد انفجار أزمة اعتبرها العاقلون أعظم من الكساد العظيم، لم تمثل البطالة سوى قضية خطيرة جداً، لكن لتنزوي خلف القضايا الأخرى في الوقت الراهن!
البطالة الجديدة، هي تلك التي تعم أوساط الشباب، وتقطع الطرق أمامهم للحصول حتى على وظائف غير مستدامة، أو على طريقة "عمال التراحيل". هذا النوع من البطالة، أوجد جيلاً ضائعاً ومحبَطاً على مستوى العالم. وطبقاً لآخر دراسة أصدرتها منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، فإن العام يعج بأكثر من 81 مليون عاطل عن العمل، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. وهذه النسبة ضمن هذه الشريحة، هي الأعلى الإطلاق في تاريخ العمالة!. والواقع، أنه في الأشهر القليلة التي سبقت الأزمة العالمية في عام 2007 (وإن انفجرت في العام 2008) بلغت النسبة الكلية للبطالة في العالم 11,9 في المائة، وارتفعت حتى نهاية العام 2009 إلى 13 في المائة، ومن المتوقع أن تستقر عند نهاية العام 2010 في حدود 13,1 في المائة. وعلى الرغم من بعض التوقعات بأن تنخفض البطالة إلى 12,7 في المائة في العام 2011، إلا أن المؤشرات كلها تدل على عكس ذلك. خصوصاً في ظل تعاف اقتصادي عالمي منكمش، أو نمو هش.
ومنذ منتصف العام 2007 أُضيف 7,8 مليون عاطل، إلى "عديد" العاطلين الشباب، وأُضيف معهم همٌ، لا يقل فداحة عن الهموم الكبرى. وعلينا أن نتخيل صورة أداء الاقتصاد العالمي، عندما يكون هذا العدد الهائل من مُحركي التنمية الاقتصادية، بلا عمل، وبلا مؤشرات على إمكانية إخراطهم في المستقبل بالسوق!. ماذا يحدث في المقابل؟ تقوم الدول الكبرى (وفي مرحلة لاحقة الصغرى)، بسن قوانين لرفع سن التقاعد، ليس من أجل الحفاظ على مشاعر العاملين الكبار، وإبقائهم في مواقعهم أطول فترة ممكنة، لكي يشعروا بأنهم لا يزالون قادرين على العطاء، بل من أجل توفير الأموال، لكي تستطيع المؤسسات والشركات التي نالت منها الأزمة، تعويض خسائرها، وتسديد فواتيرها الإنقاذية. ولهذا السبب (بالإضافة إلى أسباب أخرى لا تقل ضرراً)، فإن الأبواب تغلق أمام طالبي العمل من الشباب، على الرغم من أنهم يطرقونها بكل ما يملكون من قوة. ويرى المدير العام لمنظمة العمل الدولية خوان سومافيا، أن التخلي (أو لجم) طاقات الشباب "يسبب خسارة اقتصادية قد تخل باستقرار المجتمع".
وهذا صحيح إلى أبعد الحدود، خصوصاً في الدول الناشئة، التي تشكل شرائح الشباب فيها قرابة 90 في المائة من عدد سكانها. ولكن لتخفيف المرارة في أوساط الشباب الذين يعيشون في الدول الفقيرة والناشئة، أظهرت الأرقام أن ارتفاع نسبة البطالة عند الشباب في الدول الصناعية، لاسيما في وسط أوروبا، بلغ 45 في المائة، في حين بلغ في الولايات المتحدة 18 في المائة. ولكن لا عزاء للعرب. فالجهات الرسمية العربية تُقدر عدد العاطلين الشباب بحدود 25,7 في المائة، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم، وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 77.8 في المائة، إلا أن واقع الحال يطرح نسبة أكبر منها (بعض الجهات تقدر نسبة العاطلين من الشباب العرب بـ 50 في المائة).
إذن.. المصيبة عامة، كعموم الأزمة الاقتصادية العالمية، مع فارق كبير، هو أن التشريعات في الدول الصناعية، تمنح العاطلين (شباباً وكباراً)، كرامة ليست متوفرة لشعوب الدول الفقيرة. ومن المشاكل أيضاً، أن توفر العمل، لا يتيح حياة كريمة للعاملين الشباب. فعلى سبيل المثال فشل في العام 2008 ما يقرب من 152 مليون شاب (أي ما يوازي 28 في المائة من هذه الشرائح) في الخروج من حالة الفقر، رغم أنهم يعملون، وذلك لأن ما يكسبه الفرد الواحد منهم لا يزيد عن 1,25 دولاراً أميركياً في اليوم الواحد. أي أن هذا الدخل، ليس كافياً إلا لشراء الرغيف، ولا بأس من بعض الملح معه!
هذه الحقائق، تطرح سؤالاً طبيعياً مُلحاً. ما هو الحل؟ الحل المنطقي ببساطة، هو قيام الحكومات بتنفيذ برامج لدعم توظيف هذه الشريحة في مجتمعاتها. وهنا تظهر المعضلة. هذه الحكومات تقوم في الواقع بخفض موازناتها من أجل تسديد ديونها الهائلة، وإعادة شيء من الاستقرار لاقتصادات بلادها. فلا أموال موجودة، ولا مشروعات متوفرة، ولا أمل في المستقبل المنظور، يمكن التمسك به. وإذا قلنا، إن الاستثمارات الخارجية تساهم في عمليات التوظيف، فإننا نصطدم بشح أموال الجهات الخارجية.
الشيء المؤكد، هو أنه ليس أمام هؤلاء الذين يُفترض أنهم عماد التنمية الاقتصادية، سوى التضرع إلى الله.
( نُشر في جريدة " الاقتصادية") محمد كركوتي m@karkouti.net