آه من أبطال 'الثمن الباهظ'

بقلم: إبراهيم الزبيدي

أختلف جدا مع كثيرين من الكتاب والمحللين السياسيين العراقيين والعرب الذين اعتبروا إصرار الرئيس الأميركي باراك أوباما على إتمام سحب القوات الأميركية من العراق مع نهاية العام 2011 هروبا أميركيا من العراق. فهو انسحاب مبرمج تعهد به منذ أولى معاركه الانتخابية داخل حزبه من أجل الفوز بترشيحه للرئاسة.
كما لا أتفق معهم أيضا في كون هذا الانسحاب معيبا ولا أخلاقيا لأنه يأتي في عجالة، وقبل أن يشتد عود الجيش العراقي ويصبح قادرا على ضبط الأمن وحماية العملية السياسية الوليدة في العراق. فالصحيح هو أن أميركا تنزعج حين تشتعل الحرائق الطائفية والعنصرية بين العراقيين، ولكنها تنزعج أكثر إذا طلب منها حلفاؤها العراقيون أن تنفق أكثر ما أنفقته من دماء جنودها وأموالها لإطفاء الحرائق التي يشعلونها عمدا، بسبب فساد أو قلة وطنية أو خلل في الضمير.
وبسبب تمادي زعماء الطبقة السياسية في فسادهم وانشغالهم عن المواطن بمصالحهم الخاصة تحوَل الأميركيون رويدا رويدا نحو فكرة الخروج من اللعب من الداخل واستبداله باللعب من الخارج، وترك الساحة لمعارك الصبية، واختيار طريق السلامة، واعتباره الأسهلَ والأنفع لأميركا، سواء كانت في ظل إدارة ديمقراطية أو جمهورية، أن ترفع يدها عن التفاصيل الصغيرة في العراق، وتحتفظ بوجودها الرمزي لتأمين مصالحها الاستراتيجية العليا ومراقبة الأوضاع من وراء أسوار القواعد العسكرية، نار العراقيين تأكل حطبهم، وتـنأى هي بجنودَها وملياراتها عن هذه المحرقة.
هذا إذا كان الانسحاب حقيقيا ولم يكن عملية فنية تهدف إلى انتقاء أفضل تلك القوات وأكثرها قدرة على التدخل السريع، وإبقائها في العراق إلى أن يشاء الله، تحت بند "تدريب القوات العراقية وتأهيلها"، على أن تسُحب من شوارع المدن والقرى العراقية وساحاتها ومتاهاتها إلى قواعد آمنة مسيجة محمية جيدا يصعب بل يستحيل على أي انتحاري أو مليشياوي، سني أو شيعي، محلي أو مستورد، أن يمس شعرة من رأس جندي أميركي واحد من جنودها.
وفي ضوء هذه الغربلة التي يمكن اعتبارها إعادة الانتشار، سوف يتخلص الرئيس اوباما من ذيول إحدى مخلفات سلفه بوش، فيسحبُ القوات الفائضة عن الحاجة، ويوفر مليارات من الدولارات التي كانت تـُنفق على إقامتها في العراق بين غابات الحواجز الاسمنتية التي تتطلبها حماية أرواح أفرادها من المفخخات ورصاص القناصة المتمرسين. هذا بالإضافة إلى الكسب الدعائي السياسي المكتسب من هذا الانسحاب التكتيكي الجديد.
ولعل أوضح تلخيص لهذه المسألة هو ما قاله زعيم الأغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي: "حين يزداد العنف - في العراق - يقول الرئيس إنه لا يمكن إعادة الجنود إلى البلاد، وحين يتراجع العنف يقول الرئيس أيضا إنه لا يمكن إعادتهم".
وقد أعلنت صحيفة "الغارديان" البريطانية يوم الأحد الماضي، في تقرير كتبه مارتن جولوف من بغداد، أن انسحاب القوات الاميركية ليس سوى "دلالة رمزية"، وأن "ستة ألوية أميركية ستبقى في 94 قاعدة في العراق".
وحجة الأميركان المنطقية التي يبررون بها هذا الانسحاب أنهم حاولوا بناء ديمقراطية في العراق، وبذلوا ما يستطيعون لتوحيد العراقيين، ودفعهم إلى الإعمار والبناء، وقدموا مساعدات هائلة لم يقدموها لأحد من قبل، مالية وعلمية وإنسانية وعسكرية وسياسية، ولكنهم فشلوا. فسكان هذه البقعة النافرة، والعصية على الوحدة وعلى الديمقراطية وعلى السلام، لا يريدون الخير لبلدهم ولا لأنفسهم ولا لأجيالهم القادمة، ويهيمون حبا برؤية دماء أبنائهم تسيل كل صباح ومساء، على أرصفة الشوارع وفي المساجد والحسينيات والمدارس والأسواق، وينتعشون برائحة الدخان، ويطربون بأصوات المفخخات، ويعشقون الاقتتال والمشاكسة والمخاتلة والسرقة والاختلاس.
بعد هذا الكلام الممل الطويل أعلن رأيي الشخصي المتواضع في دوافع الانسحاب الأميركي من العراق، فأقول إنه خطوة مهمة من بين عدة خطوات أميركية تتخذها إدارة اوباما لتهيئة الساحة للمعركة القادمة، إذا واصلت حكومة خامنئي وأحمدي نجاد ومتقي عنادَها الفارغ الذي يشبه إلى حد بعيد عناد أبي عدي في أيامه الأخيرة التي سبقت دخول دبابات رامسفيلد شوارع بغداد.
فمن 170 ألف مقاتل، وعشرات الآلاف من أفراد القوات المساعدة، ومن المتطوعين المرتزقة، ومنتسبي الشركات الأمنية العديدة، لن يبقى في العراق سوى 50 ألف جندي فقط لا يراهم أحد في شارع ولا ساحة.
فقد تعب الأميركيون من لعبة القط والفار التي خاضوها مع جحافل الناقمين السُنة المدعومين من السوريين، ولا يريدون أن يثيروا عليهم جحافل جديدة من المليشيات المدارة والممولة من إيران.
تريد أميركا اوباما، هذه المرة، أن تكون أكثر ذكاء من أميركا بوش، فتضرب من بعيد، وبالتحديد من قواعدها وحاملات طائراتها المنتشرة في البحار، دون أن تغامر بإنزال جندي واحد في أرض المعركة.
ومؤكد أنها أخذت تهديدات القادة الإيرانيين مأخذ الجد، فأعدت عدتها لصد أية ردود إيرانية انتقامية، وإبطال مفعولها، سواء كانت عسكرية من قبيل محاولة غلق مضيق هرمز أو ضرب القواعد الأميركية في بعض دول الخليج، أو مدنية من قبيل تحريك طوابيرها الخامسة النائمة في دول المنطقة لزعزعة الاستقرار والأمن وخلط الأوراق.
وبهذا تكون تهديدات إيران المتشنجة المتكررة بحرق الخليج وضرب المصالح الحيوية الأميركية في المنطقة هي السبب الحقيقي وراء سحب إدارة اوباما المبرمج لقواتها.
وأصبح في إمكان المراقب السياسي أن يعتبر الموعد النهائي لسحب آخر القوات الأميركية من العراق نهاية 2011 هو ساعةَ الصفر للضربة العسكرية القادمة لإيران. بل يمكنه تحديد موعدها بدقة أكبر فيقول إن موعدها ربيع العام الذي يليه.
وليس من المعقول أن يكون حكام إيران غافلين عن هذه الحقيقة، وموهومين بقدرتهم على مواجهة أميركا هذه المرة، وتحقيق حلم أحمدي نجاد بجعل المهاجمين يدفعون "الثمن الباهظ" الذي يهدد به.
الحقيقة أن دودة الغرور حين تتسلل إلى تلافيف دماغ أي ٍ كان تأكلُه كلـَه وتجعل رأسه علبة فارغة من البصر ومن البصيرة أيضا.
فكم منا نسي صواريخ سكود التي أطلقها صدام على السعودية وعلى فلسطين في حرب الخليج الأولى، وكيف تحطم بعضها وهو في طريقه إلى الهدف، وسقط بعضها الآخر في الأراضي القاحلة، أو على منازل المدنيين في فلسطين، فأتلفَ مزارعهم وهدَ منازلهم على رؤوسهم وهم غافلون؟ وكم منا نسي أيضا أن شعبنا المغلوب على أمره دفع وما زال يدفع "الثمن الباهظ" لإسرائيل التي زعمت بأنها تضررت بتلك الصواريخ؟ ومن منا نسي أن صدام، ظل إلى آخر دقيقة، يهدد أميركا بـ "الثمن الباهظ"، ويتنبأ بدمارها وغروب امبراطوريتها، إن هي مست ذرة تراب من أرض العراق (العظيم). ثم دخلت أميركا، وأسقطت نظامه في ساعات، مثل هيكل من ورق، ولم يدفع "الثمن الباهظ" سوى الشعب العراقي، أيضا، وما زال يدفعه إلى اليوم.
فمتى يرحم زعماءُ "الثمن الباهظ" شعوبَهم، ويكفوا عن ممارسة السياسة بالعضلات، وتهديد أعدائهم بالخناجر والسيوف، وهم يجهلون أو يتجاهلون أن العالم اليوم قطع آلاف الأميال في فنون الحروب الفضائية المرعبة؟
ومتى يتوقفون عن خنق شعوبهم وتعذيبها، والزج بها في حروب عبثية خائبة لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ متى؟ إبراهيم الزبيدي