المتحف الإسلامي الأكبر يعود للحياة

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
100 ألف قطعة أثرية تمثل مختلف الفنون الإسلامية

في الوقت الذي تشتري فيه قطر القطع الفنية من أنحاء العالم لتقيم متحفاً للفنون الإسلامية، وتعاني الكثير من الدول العربية والإسلامية من ندرة مقتنياتها من تراث العصور الإسلامية على اختلافها، لا تحتاج مصر إلا إلى جدية لبضعة أشهر من وزارة الثقافة لتقدم ما هو تحت يدها من تراكم خرافي يشكل ما أنجزه الفنانون والحرفيون الإسلاميون في كل أنحاء العالم الإسلامي ووجد طريقه عبر القرون إلى مصر
إن المتحف الإسلامي بباب الخلق بوسط القاهرة الذي يعد الأول من نوعه عربياً وإسلامياً، عانى الأمرين من إهمال وزارة الثقافة المصرية لسنوات طويلة، حتى كان يتخذ المارة من واجهته مكاناً لرمي القمامة وقضاء الحاجة "التبول"، ثم أخيراً عندما تم الالتفات إليه منذ ثماني سنوات ليتم تجديده وترميم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية يحويها المتحف تمثل مختلف الفنون الإسلامية، ثماني سنوات للترميم والتجديد، حتى كادت الناس تنساه.
على مدار هذه السنوات الثمانية كنت أمر عليه أسبوعياً مرتين أو ثلاثاً، كنت أنظر إليه حزيناً على ما أصابه وهو الذي شهد في الستينيات والسبعينيات أوج تألقه كمزار للسياح من كافة أنحاء العالم، وكانت إلى جواره "كتب خانة" أو دار الوثائق القومية المكتبة التي رأسها رواد عصر النهضة وقرأ على كراسيها واستعار من أرففها كبار كتابنا.
لذلك كله فإن افتتاح الرئيس حسني مبارك للمتحف رد إليه الكثير من كيانه واعتباره حيث جاء الافتتاح متزامناً مع الاحتفال بمئوية إنشاء المتحف، كما أن افتتاح الرئيس يكتسب أهمية خاصة تؤكد حرصه على صيانة وحفظ تاريخ مصر العربية والإسلامية، مصر قبلة الثقافة والفن.
ويقع المتحف الفن الإسلامي بقلب القاهرة التاريخية، ويضم بين جنباته مجموعات متنوعة من الفنون الإسلامية من الهند والصين وإيران مروراً بفنون الجزيرة العربية والشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وغيرها من دول العالم، ويعد أكبر متحف إسلامي فني في العالم.
وافتتح لأول مرة في "9 من شوال 1320هجرية الموافق 28 ديسمبر 1903ميلادية بميدان "باب الخلق" أحد أشهر ميادين القاهرة الإسلامية، وبجوار أهم نماذج العمارة الإسلامية في عصورها المختلفة الدالة على ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية من ازدهار كجامع ابن طولون، ومسجد محمد علي بالقلعة، وقلعة صلاح الدين .
وكان المتحف المصري من أوائل المتاحف الكبرى التي أنشئت في القاهرة، وذلك في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث افتتح في عام 1901 ليكون أول مبنى في مصر شيد بالخرسانة المسلحة، ثم تلاه مبنى متحف الفن الإسلامي الذي أمر بإنشائه الخديوي عباس حلمي الثاني وافتتح عام 1903 ليكون ثاني مبنى شيد بالخرسانة.
وترجع أهمية هذا المتحف إلى كونه أكبر معهد تعليمي في العالم معني بمجال الآثار الإسلامية وما يعرف بالفن الإسلامي ككل، فهو يتميز بتنوع مقتنياته سواء من حيث أنواع الفنون المختلفة كالمعادن والأخشاب والنسيج وغيرها، أو من حيث بلد المنشأ كإيران وتركيا والأندلس وغيرهما.
ويضم المتحف مجموعة نادرة من المنسوجات، والأختام، والسجاد الإيراني والتركي والخزف والزجاج العثماني، ومجموعة نادرة من أدوات الفلك والهندسة والكيمياء والأدوات الجراحية والحجامة التي كانت تستخدم في العصور الإسلامية المزدهرة، بالإضافة إلى أساليب قياس المسافات كالذراع والقصبة، وأدوات قياس الزمن مثل الساعات الرملية، ومجموعة نادرة من المشكاوات المصنوعة من الزجاج المموه بالمينا، ومجموعة الخزف المصري والفخار من حفائر الفسطاط، والخزف ذي البريق المعدني الفاطمي، ومجموعة من أعظم ما أنتج الفنان المسلم من أخشاب من العصر الأموي .
ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بمجموعات متميزة من الخشب الأموي الذي زخرفه المصريون بطرق التطعيم والتلوين والزخرفة بأشرطة من الجلد والحفر، ومنها أفاريز خشبية من جامع عمرو بن العاص ترجع إلى عام 212 هجرية، وأخشاب من العصر العباسي بمصر، وخاصة في العصر الطولوني الذي يتميز بزخارفه التي تسمى "طراز سامراء" وهو الذي انتشر وتطور في العراق، فهو يستخدم الحفر المائل أو المشطوف لتنفيذ العناصر الزخرفية على الخشب أو الجص وغيرها.
ومن أندر ما يضمه المتحف من التحف المعدنية ما يعرف بإبريق مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، ويمثل هذا الإبريق آخر ما وصل إليه فن صناعة الزخارف المعدنية في بداية العصر الإسلامي، وهو مصنوع من البرونز ويبلغ ارتفاعه 41 سم وقطره 28 سم، كما يضم المتحف أقدم شاهد قبر مؤرخ بعام 31هجرية، ومن المخطوطات النادرة التي يضمها المتحف كتاب "فوائد الأعشاب" للغافقي، ومصحف نادر من العصر المملوكي، وآخر من العصر الأموي مكتوب على رق الغزال .
ومن المعادن يوجد في المتحف مفتاح الكعبة المشرفة من النحاس المطلي بالذهب والفضة باسم السلطان الأشرف شعبان، ودينار من الذهب مؤرخ بعام 77 هجرية؛ وترجع أهميته إلى كونه أقدم دينار إسلامي تم العثور عليه إلى الآن، بالإضافة إلى مجموعة متميزة من المكاحل والأختام والأوزان تمثل بداية العصر الإسلامي الأموي والعباسي ونياشين وأنواط وقلائد من العصر العثماني وأسرة محمد علي، كما يضم مجموعات قيمة من السجاجيد من الصوف والحرير ترجع إلى الدولة السلجوقية والمغولية والصفوية والهندية المغولية في فترة القرون الوسطى الميلادية.
وقد تضمنت عملية تطوير المتحف تهيئة قاعاته وفقا للتسلسل التاريخي، وعرض مقتنياته بطرق حديثة، وفق أحدث سيناريوهات العرض العالمية، وإعداد حديقة المتحف بالشكل الذي يتناسب مع تاريخه، فضلاً عن تهيئة المنطقة المحيطة بحرم المتحف بما يترافق مع تنشيط حملة علمية للتوعية بالآثار الإسلامية، كما سيتم تزويد المتحف بوسائل تأمين حديثة لحمايته من السرقة، وتأثير العوامل المناخية .
واستهدفت عملية التطوير الحفاظ على المبنى كقيمة تاريخية، إضافة إلى ما يضمه من كنوز أثرية، ومخطوطات علمية، وقطع أثرية، ولوحات تحكي التاريخ الإسلامي عبر حقبه التاريخية المتفاوتة، وكما هو معروف تاريخيا، فإن المتحف ظل يعرف حتى منتصف القرن الماضي باسم "دار الآثار العربية"، وظل مقسماً إلى قسمين، الأول هو "المتحف الإسلامي"، والثاني "دار الكتب العامة" التي كانت تعرف باسم "دار الكتب الخديوية"، ثم "السلطانية". وترجع بداية إنشاء المتحف إلى عهد الخديوي إسماعيل، عندما قرر جمع التحف لتحفظ في الإيوان الشرقي من جامع الحاكم بأمر الله في عام 1881، إلى أن أنشئ مبنى في صحن الجامع الحاكم بأمر الله، أطلق عليه اسم "دار الآثار العربية".
وفي عام 1952 تم تغيير اسم المتحف إلى "متحف الفن الإسلامي"، باعتبار أن الاسم الجديد يعطيه عمومية أكثر، نظراً لوجود إبداعات إسلامية أخرى من دول غير عربية.