هكذا أحبه: توثيق حياتي بنكهة شعرية

دمشق - من باهل قدّار
فسحة لتنفّس الشعر بعيدا عن القوالب

تثير المجموعة الشعرية "هكذا أحبه" الصادرة حديثاً عن دار الكوكب.. رياض الريس للصحفية السورية سعاد جروس مجموعة من التساؤلات التي تتسم بالطابع الإشكالي في بعض الأحيان بينما يتجاوز بعضها الآخر ذلك الحكم ليندرج ضمن التوثيق الحياتي أو الفهم المنتهي من عدد من القضايا الداخلية والمحيطة.

وتمثل المجموعة ما يمكن تسميتها استراحة جروس من الانكباب المضني على الصحافة إذ إن جروس لا تنسى أنها شاعرة رغم اشتغالها بالصحافة لمدة تزيد على 15 عاماً ولاسيما أن معجمها اللغوي يتكفل بإعادتها إلى حقل الشعر الذي تتقن حرثه.

المجموعة التي جاءت في نحو 125 صفحة من القطع الصغير بعد مجموعتها السابقة رمان ضمت 118 مقطوعة شعرية يغلب عليها طابع النفس القصير كما لو أن جروس قليلة الصبر على المسافات الطويلة فتتشابه مقطوعاتها بذلك مع سونيتات الشعر الإنكليزي أو أشعار الهايكو اليابانية التي تقتنص اللحظات العابرة أو المشاهد السريعة فتستعين بالشعر لتثبيتها وتخليدها ولاسيما أنها تعالج حالات سياسية واجتماعية وإنسانية متنوعة كالحب والاستنكار والألم والأمل والحياة والموت واليأس.

وتتدخل الطريقة التي تنظر من خلالها جروس إلى العالم في صوغ كل ما تحيكه من نصوص ومقطوعات تشكل فسحة لتنفس الشعر خارج المتطلبات الصارمة للقوالب الشعرية المعهودة مبتعدة دون وعي عن مطاردة الصور والاستعارات التي تأتي عفو الخاطر كما في قصيدتها قنوط حيث تقول.. طارد السعادة حتى مشارف حتفه الأخير توسد التراب وقد سبقه السأم الحظ رحل مشيعاً يذرف ما يلزم من دموع .

والتأمل في عناوين مثل احتجاج ضرورة ما العمل عبثية رجولة بدل عن غائب يفسح المجال للقارئء للبحث في خفايا جروس الداخلية ونظرتها للحياة ومشاغل العيش العادية كما يفسح المجال كي يعرف هذا القارئ جانباً آخر من حياة الشاعرة ولاسيما لجهة الإصرار وامتلاك الإرادة رغم كونها أنثى حيث تقول في قصيدتها الحق التي تفتتح بها مجموعتها.. لي الحق في كتابة ما أشاء ولهم الحق في نشر ما يشاؤون ولكم الحق في التفسير والتأويل والإسقاط.. .

والشعر عند جروس ليس نوعاً من المزاوجة بين التنظير والإبداع إنما القصيدة عندها مكابدة حقيقية تختصر فلسفتها في العبارة التي وضعتها عنوانا لمجموعتها هكذا أحبه التي بدورها تختصر حبها لكل شيء حولها ورغبتها وتصورها لما يجب أن يكون.

كما تعمل جروس على توظيف حياتها واهتماماتها وثقافتها في شعرها متعدد الصوت والفكرة والانفعال مستخدمة أفكارها كجسر للوصول إلى الحقائق الشعورية والإنسانية والاجتماعية بفضل ما تتمتع به من موهبة سردية واضحة وجمل ذات لقطات تصويرية حيوية وهكذا فإن قصيدتها تأتي مختزلة ذات إيحاءات مكثفة تضن أحياناً لكنها لا تقول أكثر مما تعني ولا تستفيض بالمشاعر مجاناً بشكل مضجر أو مزعج.

كما تمزج الشاعرة في هذه المجموعة الهم الشخصي بالإنساني دون أن تسقط في فخ التقريرية أو المباشرة ليكون مرادها الارتقاء بالعملية الشعرية حيث تقول في مقطوعتها عراق.. السكاكين الآثمة.. تناهبت.. الجسد البريء.. مزقته إرباً.. بنصالها المنغمسة بالسم.. كتبت.. كربلاء الزمن القادم.. ليل يطول.. وحزن لا ينضب.. الوطن ينوح.. وكأن أحداً لم يمت من قبل.. وكأن أحداً لن يموت من بعد.

وتبدو الشاعرة في معظم مقطوعاتها مشغولة بالشعر وبمراقبة الزمن الذي تنتمي إليه كما لو أنها تلتقط ما تساقط منها عنوة حيث تقول في قصيدتها في هذه المدينة .. في هذه المدينة الشرف يسمو كالبخور يتلاشى كعطر محلي رديء تغسل به المدينة صباحاتها.. أو قد نراها أحياناً مفتونة بالحرب الخالدة بين نساء الشرق العربي ورجالاته حيث تقول في مقطوعتها غيرة.. قمر على وسادة أعيد تشكيل وجهك أستعير من الشفق لونه فيهيج البحر مبتلعاً ليلي .

شيء آخر يمكن أن يلحظه القارئء بكثرة في أشعار جروس وهو مقدرتها على اللعب باللغة كما لو أنها تعيد ترتيب الحروف وفق ما تقتضيه الذاكرة أو الحكاية مبتعدة عن كتابة الشعر بالمقاييس الشعرية المتعارف عليها حيث تكثف تلك اللغة للتعبير عن شعور يجتاحها في لحظة ما ليكون شعرها انعكاساً طبيعياً لمحيطها رغم صبغته الحادة والمكثفة التي التقطتها من خلال عملها في كتابة الزاوية اليومية والمقال الأسبوعي حيث تمرست في كتابة الرأي النقدي المعتمد على الرصد أو التقاط الفكر وملاحظة المفارقة والنسج عليها.

يشار إلى أن الشاعرة سعاد جروس تحمل إجازة في الصحافة من كلية الآداب بجامعة دمشق 1996 بدأت بالعمل الصحفي منذ عام 1995 ونشرت في العديد من الصحف والمجلات السورية والعربية بينها العربي ونزوى وتشرين والثورة كما عملت مديرة تحرير وراسلت عدداً من وسائل الإعلام السورية والعربية الأخرى.(سانا)