كُروت.. جمال مبارك

بقلم: محمد طعيمة

ماذا معك.. لتلعب به؟
سؤال بديهي في أية ساحة سياسية، لها بنيتها المستقرة.. أو في حالة مخاض غامضة مثل مصر، في رحمها "بتلات" وهمية أو حقيقية، تنتظر "تلقيحاً" يمنحها فرصة للحياة.
من يملك حبيبات التلقيح، لا تحدده أمنيات المحبين أو الكارهين سياسياً، هناك حقائق في بنية الدولة، تقول أن "الوِلاد الأربعة والكومي" في أيدي الكتلة الصلبة، بتنوعاتها. لم ينزل ضعف الدولة إلى مستوى التلقيح الريحي/ الفوضوي.
لا أحد يزعم مواقف حاسمة لـ"مالكي الكروت"، عدا مؤشرين. الأول أوردته الباحثة الأميركية ماري آن ويفر في مقالها "الابن والشيخ والجنرال"، الذي نُشر أكتوبر 2003 بمجلة أتلانتك مونثلي الأميركية. نسبت ماري لمن وصفته بـ"لواء متقاعد": لا زلنا كما أبو الهول، مع ذلك عندما تذهبين إلى أي ناد للضباط ستسمعين النقاشات. مصر ليست بلداً يُتوارث فيه الحكم، تقاليدنا أنه لرجل عسكري. كان لعبدالناصر ابن وللسادات ابن، ولم يفكر أحد في المسالة أساساً.
سبع سنوات مضت على ما نقلته ماري، "ربما" جرت في النهر مياه مختلفة، لكن المؤشر الثاني "يتواتر" على لسان أبرز الباحثين السياسيين تماساً مع الدولة العميقة. في عام 2004 يؤكد ضياء رشوان لمحطة بي بي سي: "الجيش اختار مرشحه للرئاسة". وفي ديسمبر 2006 وبعنوان "أعرف الرئيس القادم"، "شرح" لصحيفة "العربي" القاهرية سيناريو متكاملا، وفق خطوات مرسومة.. 1 ـ 2 ـ 3، تنتقل به السلطة. وفي 2008 تقدم أكثر، طارحاً ما وصفه بـ"مُقايضة تاريخية" بين القلب الصلب وبين قوى المعارضة والحراك. استمر الجدل "العلني" حولها لعدة أشهر موزعاً بين صفحات "المصري" و"البديل"، دون أن تعترض أي جهة، رغم سهولة حظر النشر.. مجرد فاكس من سطر واحد. وتطور النقاش إلى ندوة مفتوحة بمقر حزب اليسار الاجتماعي تحت التأسيس، ورغم اتساع الخلاف بين المشاركين، إلا أنهم أجمعوا على أن كل الأوراق الفاعلة في أيدي الكتلة، وإن اللعب سيكون معها.
وُرط جمال مبارك منذ البداية في لعبة ليست له، سواء بكارت حزب المستقبل الموءود، الذي صاغه أسامة الباز، أو بكارت تحرير النظام السياسي من العسكرتاريا.. كأول حاكم "مدني" يعتليه منذ 1952، وفق "ترويجة" صاغها أسامة الغزالي حرب. ترويجة مثيرة للدهشة. فحرب يعي جيداً أن الحزب الحاكم ولجنة سياساته، التي كان منظرها، ليسا بكفاءة حزب العدالة والتنمية التركي ليُحجم المجال السياسي للدولة العميقة. ومع فروق الموقع السياسي للمؤسستين في البلدين.. وتطوره، يبدو كارت المدني بمثابة سذاجة/ توريطة سياسية، فأنت لا تدخل على "الترابيزة" وتطلب ممن بيدهم الكروت، "كده"، أن ينسحبوا.. تحت شعار "تحريرها" منهم، كأنك "ملكة نحل".. يُضحي من أجلها الآخرون. نظرياً، تلزمهم عقيدتهم بفعل ذلك لدولتهم ولقائدهم الأعلى.. فقط.
قد تتراجع الدهشة إذا كان لديك مشروع دولة، تطرحه على من تربوا وتمحورت عقيدتهم حول فكرتها المؤسسية، مستنداً إلى أنك "تربية البيت الرئاسي".. وليس فقط "ابن والده" كما تعبير ماري آن ويفر. حينها يقفز نموذج إبراهيم باشا للمقارنة، فرغم الفروق التاريخية، إلا أن "الغريب عن البلد".. كما أبيه، رجلا الدولة، التقطا مفاتيحها وقفزا بها من مخاطر التفكك إلى إمبراطورية حديثة، ليظل "إبراهيم أبو أصبع"، لا محمد علي، "الجد" الرسمي لمن بيدهم الكروت الآن.
لا وجه للمقارنة بين جمال وبين "جدهم". فهم يعلمون، أكثر من الجميع، حجم التردي الذي تعانيه "دولتهم" منذ، وبسبب، شراكة "جيمي" في الحكم، حتى وصلت المهزلة إلى أن "قائدهم الأعلى".. القادم، يقترحه ويروج له "الكردي.. وهُدهُد"، وتدور حوله معارك من نوعية "بعيد عن شنبك"، افتعالاً لشعبية/ كارت.. يعلم اللاعبون المؤثرون فجاجة زيفه.
هرتلة، أقل ما يوصف به ما يحدث. أو "شوية عيال أميركان"، كما نسّب الزميل عبدالله السناوي لشخصية محورية "على الترابيزة".. واصفة الشلة المحيطة بجمال. التوصيف جاء في ذروة أزمة الحديد التي افتعلها أحمد عز حليف جمال.. ليحصد مليارات إضافية من الجنيهات، مع تحذير من تداعيات "ما يفعلونه" اقتصادياً بالبلد، تبعه موقف مماثل من شخصية محورية موازية.. وعرضان بالاستقالة في هدوء.
على مستوى حرفية اللعب، وفي مواجهة أقدم مؤسسة "دولتية" عرفتها البشرية، نجد سذاجة.. "يُقشها" أول كارت يطلع. منها ما حدث مع تعديلات قانون ممارسة الحقوق السياسية، فالقانون لم يكن ينص صراحة على حظر ترشح مزدوجي الجنسية، بل فرضته قواعد قضائية متواترة. كان أقصى حلم شلة السياسات استمرار النص كما هو، أملاً في تغيير، رأته أسهل، للسوابق القضائية. بدا أن حلمها سيتحقق.. حتى ليلة التصويت بمجلس الشعب. في الصباح كان النص صراحة على حظر ترشحهم، وقيل حينها أن الكتلة تحفظت على "احتمال" أن يكون قائدها الأعلى مزدوج الجنسية... والولاء. مع "الصكوك الشعبية" قدموا إغراء بنقل ملكية شركات قطاع أعمال استراتيجية إلى مؤسسات مرتبطة بتنوعات الكتلة. نُقلت الملكية، واتسع وجود العسكرتاريا بدلاً من أن يقلصها "المدني"، ولأربع سنوات جُمد مشروعه الذي اعتقد أنه سيجلب شعبية له، حتى أعلن محمود محيي الدين وفاته رسمياً في يونيه الماضي.
المثير في مشروع التوريث ليس طرحه.. بقدر ما هو: بأمارة إيه؟ محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com