ونحن نغادر طفولتنا

بقلم: ظبية خميس
تتوالى سنوات الميلاد

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
وهذا هو حال الحياة, التغيير, الذى لا تقوم ولا تستوى إلا به.
نكتشف ذلك ونحن نغادر طفولتنا, ونضيع في صبانا, ونودع شبابنا, ونحتار أمام كهولتنا, ومشيبنا. فكما صور تتالى على وجه الماء هي حياتنا, نختلق صورا للثبات والإستقرار ودوام الحال، وكل ذلك يثبت يوما بعد يوم, وعاما إثر عام, أنه من المحال.
نريد أن نتشبث بقوة بثياب آبائنا وأمهاتنا, غير أنهم يغادروننا دون التفاتة أخيرة, يمضون إلى البعيد, الغامض, ويتركون لنا دنيانا كي نعيشها وتعيشنا بحسب الأقدار وتصاريف السنين.
ولاشيء يضمن تلك الأقدار لا المال, ولا البنون, ولا ما بنيناه مطمئنين إلى صلابة بنيانه. كل ذلك يتحول, يتبدد, يهتز, يتغير وكأن لا ثابت فى هذه الدنيا سوى التغيير.
وفي الرحلة, ومنها, لا يبقى سوى شذى ما خفيف يبقى إلى حين ثم ربما, وغالبا, يستسلم إلى الزوال قليلا, قليلا, ليسكن في قارة النسيان التي يعيشها كافة البشر.
ننظر إلى الخلف لنرى ما تركه السابقون الذين ضاعت أغلب أسمائهم, ومن القليل نرى علامات على حيواتهم عبر التاريخ. بعض الشعر, والحكمة, والتاريخ, والعلوم, والمعمار. فخار يختبيء بين القبور وقلائد ضائعة نحاول أن نكتشف على أي جيد كانت ترتص ذات يوم غابر.
وعن الشجاعة أود أن أتحدث: شجاعة الوجود, شجاعة أن تكون رغم علمك أنه كيان يزول بعد برهة. شجاعة أن تحيا الحياة كما هي. الشجاعة بحاجة إلى الكثير من التأمل, والصبر, والمغامرة, أيضا. الشجاعة بحاجة إلى أن تقول وداعا وللأبد إلى ذوات غادرتك وأن ترحب وتفتح ذراعيك لذوات تجد وتسكنك. الشجاعة أن تقول نفسك, وتكون نفسك, رغم علمك أنها متحولة وأنها قد تهزمك أحيانا كثيرة في رحلتك للبحث عنها والحفاظ عليها.
قد ترسم خططا, فتبددها الريح ساخرة، فنلج ما لم نكن نعرف أنه بانتظارنا. ومخطيء من يظن أنه يستطيع أن يحيا حياة كاملة وفق تخطيطات وحسابات مسبقة فلا شيء ولا أحد يضمن لك ذلك.
أقدارنا مكتوبة، ولكن ليس بأيدينا. ونجتهد ونخطيء ونصيب, غير أن الحياة لم تكن أبدا حياتك أنت بمفردك فكل ماهو حولك وفوقك وتحتك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك هو حياتك, أيضا.
وأرض الله واسعة, وكلها أرضك, وأهل الدنيا كثر وكلهم أهلك, وأنت أهلهم. لا حدود تريك الحدود النهائية لمن هم, ولمن أنت, ولا حدود تقول لك إن هذا فقط هو طينك فطين العالم كله طينك.
ستتوالى سنوات الميلاد إلى أن تتوقف وللأبد ذات لحظة غير متوقعة. الميلاد الذي يحولك من بذرة إلى نبتة وشجرة. الميلاد الذي تكتشف عبره صورك المتحولة في الماء. الميلاد الذي يقتضى أن تكون مثل طفل يطلق صرخاته وضحكاته وآلامه وسعادته في هذا العالم. ومثل طفل لا تنسى أبدا أن الحياة هي شجاعة وجود. ظبية خميس ـ القاهرة
14/8/2010