التستر، أو رجل الأعمال الكفيل

بقلم: أحمد البويت

لا يوجد نشاط تجاري بهذا المسمى العجيب "رجل الأعمال الكفيل" الا لدينا بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، اذ يكفي ممارس هذا النشاط ان يحمل بطاقة الهوية الوطنية ويكون مؤهلا للحصول على ترخيص تجاري من الجهات المختصة ثم يستقدم عددا من العمالة الأجنبية للعمل في البلد بحرية تامة تحت كفالته ومسؤليته على ان تدفع له هذه العمالة اتاوة شهرية او سنوية او دورية.
وهذا النشاط يتم تعريفه من قبل الجهات ذات الاختصاص "بالتستر".
والتستر هو قيام الأجنبي بنشاط اقتصادي تحت كفالة مواطن سعودي وحمايته وبرغم ما يحققه هذا النشاط الظاهر الخفي من دخل كبير لفئة محدودة (مواطن واجنبي او مجموعة اجانب) فان له آثارا سلبية اجتماعية واقتصادية على الوطن وابنائه.
فقد تهافتت على البلاد خلال الطفرة الاقتصادية الأولى في السبعينات من القرن الماضي ملايين العمالة الوافدة من اجل العمل ولحاجة البلاد لهم للمساهمة في انشاء البنية التحتية وتنفيذ المشاريع العملاقة في ذلك الوقت، وقد ولت تلك الطفرة بايجابياتها وسلبياتها ومع ذلك لا زالت البلاد حتى اليوم تعج بالملايين من العمال الأجانب وتستقطب الآلاف منهم يوميا.
يأتي العمال الأجانب الى المملكة بعقود عمل مع مؤسسات وشركات وافراد سعوديين لإمتهان اعمال ووظائف معينة بصفة ثابتة ورواتب وحوافز معلومة، لكن هل حقا يقومون بما اوكل اليهم من اعمال؟
يقوم بعض الوافدين بالإعمال التي تم استقدامهم لأجلها حسب ما هو متفق عليه بينهم وبين الجهة التي استقدمتهم ووظفتهم خصوصا لدى الشركات العملاقة والإدارات الحكومية، ولكن هناك اعداد كبيرة منهم تتجه في العمل اتجاها آخر حسبما يتم ترتيبه بينهم وبين الكفيل خصوصا من يتم استقدامه للعمل لدى بعض الأفراد او بعض المؤسسات الفردية وبعض الشركات الصغيرة، والمنشآت التجارية الوهمية حيث اُشتهر بين العمالة الوافدة مصطلح فيزه حرّة والتي بمقتضاها تم الإتفاق مع الكفيل اتفاقا ضمنيا غير مكتوب لدواعي قانونية ان يقوم العامل بما يناسبه من عمل وبما يحقق له دخلا ماديا كبيرا، وعلى ان يقوم الكفيل بجميع ما يلزم من توفير الرخص اللازمة ومراجعة الإدارات الحكومية ذات الاختصاص وتوفير الدفاتر الرسمية والأختام والمخاصمة والمرافعة وتحصيل الحقوق من الغير، وذلك مقابل مبلغ مادي متفق عليه شهريا او سنويا او نسب من قيمة العقود التي يوقعها الكفيل مع عملاء لصالح العمالة التي تعمل لدية، واحيانا يتم الإتفاق على ان تقوم هذه العمالة بتوفير سكن للكفيل وسيارة كل سنة وتذاكر ومصاريف سفر خصوصا في لأنشطة التجارية الكبيرة كالمستشفيات والمقاولات الضخمة وتأجير الشقق والفنادق والبقالات ذات السلاسل.
تقوم العمالة المتستر عليها بالاف الأعمال في البلاد من ادارة بقالات الأحياء الصغيرة الى السوبر ماركت وورش الصيانة الصغيرة والكبيرة واعمال الإنشاء والبناء والمقاولات، الى ادارة المستشفيات وبعض المصانع، واعمال تأجير الشقق والغرف المفروشة خصوصا في المدن والمناطق التي تشهد اقبالا كبيرا للزائرين كمكة المكرمة والمدينة النبوية المنورة، وقيادة سيارت الأجرة والتوصيل للمدارس والأعمال والتوزيع والتسويق، واعمال المطاعم والملاحم وتشغيل البوفيهات والكافتيريات. وتخيل اي نشاط تجاري في البلد ستجد بصمات الوافد واضحة جلية فيه وان اختلفت الطرق، وقد قامت وزارة العمل مؤخرا بحصر اعمال البيع في مجال الخضروات والفواكه للسعوديين لكن دخل الأجانب من باب آخر وهو عمالة التحميل والتنزيل لهذه المحلات وظاهريا ان من يعمل بها انما هو مواطنا سعوديا ولكنه في حقيقة الأمر ليس الا واجهة في ذلك المحل يتلقى راتبا لا يزيد عن 1500 ريال بينما صاحب المحل الحقيقي وصاحب الأمر والنهي هو عامل التنزيل والتحميل الأجنبي وليس عجيبا ان يكون ذلك الشاب السعودي هو كفيل ذلك العامل الأجنبي مالك المحل الحقيقي.
ومثل ذلك الشاب الاف ممن امتهنوا التستر على العمالة الأجنبية تختلف قوتهم المالية بقوة النشاط الذي تم التستر عليه فهناك من يتستر على بوفيه رأس ماله عشرة الاف ريال وهناك من يتستر على شركات طيران وفنادق وشركات تنقيب عن الذهب والبترول، وكلهم تحت مسمى غير معلن "رجل الأعمال الكفيل".
ملحوظة: قد يتحسس البعض من كلمة اجانب لكنها تستخدم عالميا وفي جميع الدول للتعريف بالأشخاص الذين يقدمون الى بلد من غير اهله، لذا اتمنى من الأخوة الكرام ان يفهموا ان الموضوع ليس هجوما على الأخوة الأجانب لدينا فهم اخوة لهم حقوق وعليهم واجبات، فكما هم اجانب لدينا فنحن اجانب في اوطانهم ولسنا نتحسس من ذلك. أحمد البويت