إخوان.. الأسد البريطاني

بقلم: محمد طعيمة

س: هل من وثائق تؤكد أن تمويل بريطانيا للإخوان بدأ عام 1942، وأن الجماعة تواطأت مع لندن لاغتيال عبدالناصر؟
ج: نعم.
بحسم، أجاب الباحث البريطاني مارك كيرتس رداً على سؤال للزميل محمد الشافعي بجريدة الشرق الأوسط السبت قبل الماضي، بمناسبة صدور كتابه "العلاقات السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام المتشدد"، وضع فيه حصيلة دراسته التي امتدت أربع سنوات لعشرات الآلاف من الوثائق التي رُفعت عنها السرية.
الوثائق التي درسها كيرتس تركزت على فترة صعود المد القومي 1952 ـ 1970، وترصد أيضاً بداية تمويل "المُحتل" لحسن البنا، في حين تابع هو تطور العلاقة بين بريطانيا والجماعات الأصولية حتى عام مضى، ليس آخرها تأمين بعضها خروجاً آمنا لقواتها من البصرة. وقبلها رعت لندن مؤتمرات جماعات معارضة لصدام حسين.. منها الإخوان، ثم مؤتمرات جماعات معارضة لبشار الأسد.. في قلبها الإخوان.
كيرتس عمل باحثا بالمعهد الملكي للشئون الدولية، وباحثاً زائراً بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية وبالجمعية الألمانية للسياسة الخارجية، ومديراً للحركة الإنمائية العالمية، ولقسمي السياسة بمنظمتي كريستيان إيد وأكشن إيد المستقلتين. كتابه "الخداع الأكبر: القوة الأنجلو أمريكية والنظام العالمي الجديد" أثار جدلاً واسعاً. الآن هو أستاذ شرفي بجامعة ستراثكلايد، ويُدير مكتباً مستقلاً للاستشارات السياسية، وتنشر مقالاته صحف مثل جارديان، ريد بيبر، إندبندنت البريطانية، وزنيت الأمريكية، وفرونتلاين الهندية، والأهرام المصرية.
جديد كيرتس هو "توثيقه" للعمالة، في رواية كاملة. قبله كانت وقائع تاريخية متفرقة، فحسن البنا عاد من "حجه" لعبدالعزيز آل سعود، ليؤسس "الإخوان" عام 1928، بعد شهور من حل "قوات الإخوان" رأس حربة تأسيس الدولة السعودية. وهو لم يخجل من تبرع شركة قناة السويس، الفرنسية البريطانية، لجماعته ولبناء مسجد "ضرار" لها في الإسماعيلية، ولا من معاداته للحركة الوطنية.. ووصمه بـ"صنيعة الاستعمار".
خليفته الهضيبي.. فاقه جرأة، ها هو يرفض مقاومة الفدائيين في القناة، ساخراً من "الجمهور المصري": هل "العنف" سيخرج الإنجليز؟!. ثم لشباب من جماعته طلبوا الانضمام للفدائيين ضد الإنجليز: اذهبوا واعتكفوا على تلاوة القرآن. ليتلقى سخرية المفكر الراحل خالد محمد خالد في روز اليوسف، مطمئناً المُحتل: أبشر بطول سلامة يا جورج. سخرية ثالثة ستتفجر على وجهك، حين تسمع عصام العريان يتحدث في برنامج "آخر كلام" ليسري فوده عن دور لآبائه في مقاومة الإنجليز.(!!) جرأة في التلاعب بالتاريخ.. كما الدين.
كيرتس الذي يتفاوض ناشره مع دور عربية لترجمة كتابه، بحوزته وثائق التمويل المُنتظم من سفارة الاحتلال والسراي معاً للإخوان منذ عام 1942، ولكي يظل البَنَّاويَّة تحت السيطرة، رأساً وأطرافاً، جند كل منهما عملاء له من الإخوان. تقول وثيقة بريطانية: سنحصل على معلومات عملاء الحكومة. وسنطلع الحكومة على المعلومات التي نحصل عليها.
بعد الثورة، وفي كل خطط بريطانيا السرية للإطاحة بالأنظمة القومية، اعتمدت المنظومة الاستعمارية على التعاون مع الإخوان، كما توضح الوثائق: "لخلق اضطرابات تمهد لتغيير النظام الجديد". يوثق الكتاب معاملات مع قياداتهم.. "ضد النظام الثوري أثناء مفاوضات الجلاء". ليدعم ما رصدته كتب سبقته عن اجتماعات متكررة ضمت الهضيبي الأول وصالح أبورقيق ومنير الدولة مع تريفور ايفانز مستشار السفارة، وعرضهم عليه في منزل محمد سالم بقاء جيش الاحتلال في القناة، مقابل دعم انقلابهم ضد الثورة، والاشتراك في حلف عسكري ضد الشيوعية، "مُحذرين" من أنه لن يرى النور ما دام عبدالناصر حياً، "لأنه يرفض الأحلاف ويصفها بالاستعمارية". تحريض إخوانجي على اغتيال عبدالناصر، مع إغراء علني من الهضيبي في يوليو 1953 لوكالة الأسوشييتد برس: "الغرب سيربح إذا حكمنا مصر، سيفهم مبادئنا المعادية للشيوعية وسيقتنع بمزايا الإخوان". هكذا كان طبيعياً أن يسجل أنتوني إيدن، وزير خارجية بريطانيا وقتها، في مذكراته: "الهضيبي كان حريصاً على علاقات ممتازة معنا، بعكس ناصر".
عام 1956 ومع العدوان الثلاثي، نشطت الاتصالات بالإخوان ضمن مخطط الإطاحة بناصر أو اغتياله. ووفق الوثائق، كان البَنَّاويَّة هم الأكثر "احتمالية" لتشكيل الحكومة الجديدة بعد إسقاط العدوان لنظامه. وفي مارس 1957، كتب إيفانز، تعليقاً على مفاوضاته مع أبناء البنا: اختفاء نظام ناصر.. هو هدفنا الرئيسي.
بعيداً عن كيرتس، وحتى قبل ظهور ناصر، كان الإنجليز يوظفونهم جيداً، فالإخوان كانوا أداة في أيدي كل الأنظمة التي "رسمتها" الإمبراطورية الاستعمارية، في أيدي هاشميي الأردن منذ عام 1945.. وفي العام التالي في أيدي هاشميي العراق، وقبلهما بعشرين عاماً في أيدي آل سعود. الآن، يؤكد كيرتس: "لندن لا تزال تستخدم القوى الأصولية، وتحرص على تطوير علاقاتها مع إخوان مصر وسوريا ودول أخرى، لتأمين نفسها عند تغيير نظام الحكم في القاهرة أو دمشق".
جزء يسير من الاتصالات "المُتجددة" مع بَنَّاويَّة مصر سربها، ديريك باسكويل الموظف بالخارجية البريطانية، لصحيفة الأوبزرفر، ليدفع من عمره 18 شهراً اعتقالاً، قبل أن يفُصل من عمله في أغسطس 2009. ألم يفضح حصان طروادة تاريخي للأسد البريطاني؟
منذ سنوات حينما أسمع، أو أقرأ، أحد "قيادات" الإخوان، تقفز مشاهد شيخ جامع "الزوجة الثانية" رائعة صلاح أبوسيف، وتلاعبه بالقرآن الكريم ليبرر اغتصاب الزوجة.. أو احتلال الوطن. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com