'الغزالة' مجمع الأفكار والفلسفات بأسلوب شيق

بيروت
روضة الأصدقاء

عمل الكاتب المصري قاسم مسعد عليوة "الغزالة" إذا ترددنا في وصفه بأنه "رواية" بالمعنى المألوف، هو ـ مهما تعددت الأسماء واختلفت ـ عمل سردي مميز في تقديمه لمحتواه الثري الذي يحمل إلينا كثيرا من التراث الإنساني الفكري والصوفي والأدبي.
وقبل أن البدء بقراءة هذا العمل المميز، قد يكون مهما أن نقرأ الصفحة الأخيرة، التي حملت كلمة الناشر (دار الهلال المصرية في نطاق "روايات الهلال") عن "الغزالة". إنها كلمة نقدية قيمة بحق ومكثفة.
قال الناشرون "بين يديك عزيزنا القارىء رواية تختلف عن الروايات التي ألفتها فهي تخلو من العقد التي طالما أجهدت نفسك من أجل تتبع خيوطها وإيجاد حلول لها أو مضاهاة الحلول التي أوردها المؤلف على المنطق أو قانون النص الروائي وحبكتها أيضا هي الأبسط بالقياس إلى الحبكات التي صارت من فرط نمطيتها مثيرة للملل والتثاؤب".
أضاف الناشرون عن شخصيات عمل قاسم مسعد عليوة "شخصيتان بشريتان احتكرتا مسارح الأحداث في الرواية.. معلم وتلميذ ومعهما غزالة لا تني تظهر وتختفي. غزالة ربما تشبه غزالة ابن عربي ومن لفّ لفه، لكنها في الرواية هذه تتمتع بصفات تجعلها أقرب إلى الحياة منها إلى الفكرة المجردة. شخصية المعلم هي محور الرواية ومركزها. شخصية تذكرك بـ (نبي) جبران خليل جبران، و(زراداشت) فريدريك نيتشه، و(حلاج) صلاح عبدالصبور، ومشاهير الصوفيين والمصلحين الإسلاميين، لكنها تختلف عن هؤلاء جميعا بعصريتها واهتمامها بالحاضر الآنيِ".

والواقع أنه مع أهمية ما ورد في الكلمة، فالرواية تحمل أكثر من كل ذلك بكثير. شخصية المعلم والمريد الذي يسأله فيجيب هي أساسا مأخوذة عن معلم آخر "معلم أول" لجبران، وحتى لنيتشه وان بدا "عدوا" لهذا المعلم ألا وهو المسيح وتجواله مع تلامذته والأسئلة التي تبدأ بالقول "يا معلم" والأجوبة خلال ذلك.
نجح الكاتب في قدرته على "التجرد" من زمن معين أي فصل نفسه عنه والتكلم بما يحمل إلينا أجواء من عالم قديم أو فلنقل بعض سمات من أفقر بلدان العالم الثالث وفيها الفقر والقذارة والأبنية الشاهقة.
يقول مثلا "مدينة.. مثلها مثل المدن الشبيهة تغز عمائرها عين الشمس لتنكسر أشعتها وتنز ظلالا تطؤها الأقدام وتهرسها عجلات المركبات. ومثلما يحدث في المدن الشبيهة حف بنا الصبية والقوادون.. وجاء الشحاذون وحام حولنا السواقون وتنطع باعة التوافه".
وتحدث عن الفساد والتواطؤ بين رموز للسلطة وبين المجرمين من أجل المال. في الرواية رموز وتعابير وأعمال واضحة للمتصوفة إلا أن المعلم فيها مختلف في أكثر من مجال واحد. فعلى رغم أجواء معظم مسارح الأحداث ورغم اللغة التي توحي في غالبها بأنها تتحدث عن عالم قديم الا حيث يرد كلام عن أمور حديثة كالسيارات والبنادق الرشاشة وغيرها، فإن هذا المعلم يبدو مختلفا عن سائر "المعلمين"، إنه معلم "حديث جدا" من ناحية ما. إنه موغل في الأمور الشهوانية بما يوازي - قليلا أو كثيرا - الروحانية التي تفيض بها الرواية.
المعلم الروحاني يخوض غمار "رقص" مادي. وإن خطر للبعض أنه قد يكون أشبه برقصات زوربا اليوناني في رائعة كازانتزاكي. إنه مزيج من الشهوة التي ترتقي إلى عالم شبه روحي.
أما الغزالة، وهي رمز في كل حال، فتبدو أحيانا أقرب إلى الروح التي لا تقهر خاصة حيث يسعى الحاكم المستبد إلى صيدها فيعصاه الأمر كما يصعب أو يستحيل تدجين الأرواح.
وقد يكون في أسلوب الأسئلة التي تطلب أجوبة فضلا عن التأثر بالمعلمين سالفي الذكر أثر لما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال إنه من فعل القصص الهندي في أدبنا من خلال أسلوب "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة".
في بدايات الرواية قد يجد القارىء نفسه يتذكر رواية فرح انطون "المدن الثلاث" أو مدن العلم والدين والمال.
أحيانا نجد أن الكاتب أفاد من أمور وأفكار لا تحصى حتى أننا نواجه بعض الأمثال الشعبية والقصص الشعبي، وقد صيغ بقماشة جعلت الأمر أكثر أناقة وعراقة من أصله الشعبي. تقرأ عن المكان المكتظ بالناس "وما به من فسحة لمزيد" فتسمع رد المعلم "هذه روضة الأصدقاء وما ضاقت يوما عن صديق" فتذكر المثل الشعبي "البيت الضيق بيوسع ألف صديق".
ونقرأ "اغمض عينيك تبصر كل شيء" فتحمل إلى ذاكرتنا قصيدة "اغمض جفونك تبصر" لميخائيل نعيمة، ومنها قوله "إذا سماؤك يوما/ تحجبت بالغيوم/ أغمض جفونك تبصر/ خلف الغيوم نجوم".
والواقع أن الكاتب يستشف الروح الكامنة وراء كثير مما في الحياة اليومية ويتلقف ما في مشاعر الناس وخواطرهم وما عبروا عنه أحيانا بكلامهم أو شعرهم الشعبي. من أمثال ذلك قوله "إنما الهوى هوا فهل أنت مستغن عن الهوا".
خيال الشاعر الشعبي اللبناني مثلا عبر عن الأمر نفسه بقوله "قلت الهوى/ قالت أمان من الهوى/ قلت الدوا/ قالت ما لوش ولا دوا/ قلتلها راح روح أترك هالبلاد/ قالت وأيا بلاد ما فيها هوا".
قاسم مسعد عليوة لا يخترع من الأفكار والمعاني ما ليس موجودا. كتاباته تحمل إلينا الفكر والفلسفة والتصوف والخيال الشعبي وأمورا كثيرة أخرى. أما حيث أبدع فكان في التعبير الفني عن كل ذلك.
قديما قيل إن المعاني ملقاة على قارعة الطريق. في العمل الفني من المهم جدا أن يكون ما تقوله "مهما".. لكن الأهم منه هو "كيف" تقوله. والكيفية عند قاسم مسعد عليوة إبداع وعمق وايحاء وجمال ومتعة فنية تجذب فتجعل لكل كلام مهما كان قليلا "عقدة" نتوق إلى معرفة ما يأتي بعدها.