كيف يتقمص الوطنية من جاء بإرادة أجنبية؟

بقلم: د.عمر الكبيسي

أثارني تصريح لأحد قادة الكتل المتناطحة من أجل غنيمة السلطة في ما يسمونه بحكومة الشراكة العراقية (عسيرة المخاض) عندما استنكر واستبعد ان تتشكل هذه الحكومة بإرادة أجنبية أو خارجية، مدعياً انها يجب ان تولد بإرادة وطنية! طبعاً بعد مرور خمسة أشهر على إجراء الانتخابات، وبعد أن ملأت خطاباته وتصريحاته خلال هذه الفترة، الفضائيات والمنابر بضرورة ان تتدخل الولايات المتحدة كدولة احتلال ومجلس الأمن وهيئة الأمم بتصحيح المسيرة المتعثرة، باعتبار العراق لا يزال تحت هيمنة البند السابع الذي الزمته به دولياً. يقول الرمز السياسي الجديد، الذي اعيد تصنيعه مؤخراً بعد أن أسقط سياسيا خلال الفترة المنصرمة، في تصريحه انه لا يقبل ان يكون جزءاً من حكومة تتشكل بإرادة أجنبية! لكنه اليوم يتناسى أنه كان جزءا من مشروع احتلال اميركي أسقط من خلاله ومن خلال رفاقه زعماء وقادة الكتل الأخرى والرموز المتناطحة اليوم، نظاما معترفا به دوليا وحاكماً عراقياً ودولة مستقلة من الدول المؤسسة لهيئة الأمم واستبدلته بحاكم أجنبي جاء بهم رؤساء وزعماء ووزراء لدولة لا تتمتع بسيادة او حدود محترمة أو أمن داخلي، وأن هذا الرمز السياسي قبل خوض الانتخابات الأخيرة خاطب أعضاء مجلس الشيوخ والبرلمان الأميركي بأنه جزء من مشروع تحرير العراق وشريك فيه.
الرموز السياسية التي تتناطح اليوم في ما بينها على منصب رئيس الوزراء، معروفون بمجيئهم جميعاً مع الاحتلال والدبابة الأميركية وساهموا في إقناع إدارة بوش على احتلال العراق؛ لا بل تنافسوا في يوم من الأيام في التسابق على شرف هذا الامتياز وأصبحوا وفق تعيينات الحاكم بريمر، أعضاء بمجلس الحكم ومن ثم رؤساء ووزراء ونوابا وقادة كتل وأحزاب؛ ألم يكن مجيئهم وتنصيبهم وفوزهم وخسارتهم بإرادة أميركية؟ ألم يكونوا حلاً لشرعنة احتلال اجنبي؟ ألم يصرحوا جميعاً بأن مجمل الانتخابات التي أجريت في العراق بعد الاحتلال كانت انتخابات غير شفافة ومسيسة ومزورة؟ ألم تكن صفقات تعيين وتشكيل جميع الحكومات والمناصب الرئاسية السابقة واللاحقة تجري من خلال التفاوض والترغيب والترهيب التي يرعاها السفير الأميركي والحاكم المدني وقائد القوات الأميركية والرئيس الأميركي بشكل مباشر ولغاية هذا اليوم؟ حينما تُوجَّه مسؤولية ما حدث في العراق بسبب الاحتلال الى الولايات المتحدة رائدة مشروع وقانون تحرير العراق! وتحدد مسؤوليتها عن إيقاف عملية التخريب والدمار والفساد؛ تجد ان جميع هؤلاء الساسة الجدد يتحدثون عن السيادة والإرادة الوطنية وعدم التدخل بالشأن العراقي.
عن أي إرادة وطنية يتحدث الطالباني والمالكي وعلاوي وعبدالمهدي والجعفري والجلبي والبرزاني والباجه جي؛ وعن أي مشروع وطني يتحدثون؟ هل سمعتم يوما أو قرأتم عن مفارقة كالتي يطلقونها كأنهم يمثلون إرادة وطنية صرفة لا تقبل التدخل الأجنبي والأقليمي بالشأن العراقي الداخلي؛ في حين ان كل هؤلاء الساسة المستوردين الذين يتصارعون على السلطة الآن جاءوا الى السلطة بتنصيب أجنبي أميركي وفق تقاسم طائفي وعرقي صرف! وكانوا جزءاً من حل أجنبي لشرعنة سلطة غير شرعية.
المفارقات في عصر الاحتلال عديدة، لم يعد العراقيون في غرابة من أمرها بالتأكيد بعد أن انكشفت الأوراق وبانت الحقائق. يدرك العراقيون جيدا اليوم أن التحرير واحتفاليته كانت مهزلة مكشوفة من مهازل الاحتلال، لم تعد حتى رموز التحرير بالأمس تجرؤ ان تسميه تحريراً اليوم؛ وأن مبرر أسلحة الدمار كان أكذوبة روَّجَ لها هؤلاء الرموز؛ وأن الديمقراطية والحرية ورفع المظلومية التي تشبثت بها إدارة بوش تحولت الى عنف وقتل وسجون واعتقال واغتصاب وتعذيب وطائفية وعرقية مسيسة، وان الإعمار أصبح مشروع اختلاس وفساد وسرقة وهدم وتدمير؛ وأن النفط العراقي الذي أمم وانتعشت من خلاله الموارد وعملية الإعمار في السبعينيات من القرن المنصرم أصبح اليوم غنيمة ورهينة دول التحالف وشركات المحافظين الجدد؛ وأن الدستور الذي أقرته الرموز السياسية بالأمس مع كل ما يحتوي من ألغام للتشظي ومسخ الهوية والتقسيم؛ أضحى موضع اختراق وصراع من قبل الكتل والأحزاب التي شرعنته؛ وأن الاتفاقية الأمنية التي أقرها الرموز والساسة الجدد ولم يتم الاقتراع عليها كانت صكاً أميركياً متميزاً لتوطيد الاحتلال والهيمنة؛ وان العملية السياسية التي صممها الاحتلال لأعوانه وعرابيه أصبحت اليوم مقصلة لهم وموضع تصفية وإقصاء واجتثاث، بعد ان كانت مصدر إثراء وإفساد مفضوح ومكشوف؛ وأن الحكومة اذا تشكلت فهي مجرد شركة رواتب وامتيازات وعقود؛ حكومة ستولد ضعيفة أو ميتة لن تحقق للشعب أمنا ولا أمانا أو بناء وعمرانا.
العراقيون يدركون اليوم ان الشعب الذي لا يقاوم المحتلين ليس شعباً وأن المقاومة هي سبيله الوحيد للنجاة والتحرير؛ وأن رواتب أعضاء البرلمان (الذي لم يعقد جلسة واحدة) او الحكومة المنتهية شرعيتها هي رواتب مسروقة من استحقاقهم؛ وأن الانتخابات لن تسفر عن تغيير؛ وأن المعاناة المستمرة والتهجير والقتل والاعتقال لن يسفر إلا عن مزيد من الوعي والصمود والتحدي؛ وإن بقاء الاحتلال محال؛ وأن العملاء الى زوال؛ وسيعود العراق منتصراً موحداً بأحسن حال على أيادي المقاومين والمناهضين الأبطال؛ وفي حين سيقذف برموز الطائفية والتكفير والتبرير والفساد في مواطن القمامة والأزبال؛ ستبقى الأديان والأنساب والقيم والأخلاق والمثل والأعراف مصدر ألفة وتوحد واعتدال لشعب عريق متحضر في مسيرة التاريخ والأجيال؛ اختفت وستختفي رموز المحافظين الجدد وحقبة بوش وبلير الذين صمموا مشروع الغزو هروباً من وجه العدالة بعد ان بدأت تدرك الشعوب الحية ما اقترفت قياداتها وزعاماتها من نذالة؛ حين سخرت مالها وعلمها وتقنيتها من أجل مخططات الغدر والسفالة؛ وغدرت بكل المبادئ السامية التي ناضلت من أجلها هذه الشعوب بقوة وبسالة؛ أشعلت حروبا تحت غطاء مكافحة الإرهاب؛ بلا مبررات وأسباب؛ ليعيش الناس حالة الدمار والخراب فاستحقت جراء فعلها الشنيع أقسى الهزيمة وأشد العقاب؛ "ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد؛ إرمَ ذات العماد؛ التي لم يخلق مثلها في البلاد؛ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد؛ وفرعون ذي الأوتاد؛ الذين طغوا في البلاد؛ فأكثروا فيها الفساد؛ فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب؛ إن ربك لبالمرصاد". د. عمر الكبيسي
كاتب عراقي