العراق...لئلا يعود جيش المهدي!

بقلم: رشيد الخيّون

غدا التَّيار الصَّدري رقماً مهماً في المعادلة السِّياسية العراقية، يؤخذ بنظر الاعتبار في تشكيل الحكومة، وإن لقاءه، على مستوى الزَّعامة، مع القائمة العراقية بدمشق، ودعوة وفد منه إلى الرِّياض من قبل، يشير إلى أهميته، ليس داخل العراق حسب بل تأثيره في المحيط الإقليمي أيضاً، وأظهر في تلك اللقاءات أنه ليس مرهوناً لدولة أخرى، مثلما كثر القول عن ارتهانه لإيران عوضاً عن حلفائها الأقدمين.

ما يسوء المخالفين للتيار الصَّدري أنه حاز على شعبية، بحصده أربعين مقعداً، تلك الشعبية التي كادت تنطفئ أيام ما كان جيش المهدي يصب أذاه على النَّاس، خطاب زعامته المشوش، مع أن الفراغ الحكومي جعل المواطنين يحسبون لهذا الجيش تنظيم صرف الوقود وحركة المرور في شوارع العاصمة، أيام فراغ السُّلطة، مع كلِّ ما عاناه منه أصحاب المحلات والنِّساء والطَّلبة من نزق عناصره، حيث حذوا حذو الجماعات الأُصولية، التي تأمر بإطالة اللحى، وقص الشَّعر، والحجاب، بل هناك من قادة هذا الجيش مَنْ كان مسؤولاً عن كبائر.

يُلاحظ على الصدري أنه تيار شبيبة، ولا يحمل في دواخله أضغان الماضي، وصراعاته، كي توجهه الضغائن، ولم يعمل في المعارضة السابقة، حتى يستمر متقيداً بأخلاقها، فما حصل أن شخصيات حكمت العراق، بعد 9 أبريل 2003، لم تتمكن من الانتقال إلى ممارسة السُّلطة.
ويغلب على الظَّن أن الفساد الذي اجتاح الدَّوائر، ليس مسؤولية انحسار القيم والأعراف بسبب الحروب والحصار والقمع حسب، بل جزء منها لممارسة الحُكام الجدد دور المعارضة وهم في السُّلطة.
فمن أهداف المعارضة محاولة إضعاف إسقاط السَّلطة بنهب بنك، أو قطع سكة قطار، أو كسر أنبوب ضخ نفط، أو تفجير مؤسسة، وكانت تحسبها مظاهر نضال لا تخريب.

ليس هناك ما يشير إلى وجود تيار باسم "التَّيار الصدري"، في ظل النِّظام السابق، مع وجود أتباع للسيد محمد محمد صادق الصدر (اُغتيل 1999)، يؤمهم في صلاة الجمعة (1997- 1999)، التي ظهرت حديثة بعلانيتها داخل العِراق، حيث الآراء مختلفة حولها بين العلماء: مَنْ لا يبيحها ومَنْ يتحفظ، فالأمر منوط بالإمام العادل، لذا فُسرت علانية تلك الصَّلاة، على أنها إشارة إلى وجود العادل.

لكن هناك مَنْ أشار إلى وجود كيان باسم "جيش المهدي"، على أنه ظهر بمدينة الثورة (الصدر حالياً)، أسسه العام 1996 رجل دين يُدعى الشيخ عبد الزَّهرة البديري، ليس للصدر دور فيه فالرجل لم يكن معارضاً بقدر ما كان همه نيل المرجعية الدينية.
كان قائد الجيش شخصاً يُكنى بأبي المهيمن، أُعلن الجيش بشكل محدود بين الأتباع، على أن الصيحة، الذي يظهر بأثرها المهدي المنتظر تكون في (23 رمضان) من ذلك العام، وهي مناسبة وفاة الإمام علي بن أبي طالب (40 هـ)، وكان تنظيم الجيش حسب التنظيمات التي كانت في الجيوش الإسلامية من حامل الراية والساقي وغيرها.

فحسب ما قرأته في كتاب "السفير الخامس" لمؤلفه الشيخ عباس الزَّيدي (بيروت 2001)، أي قبل سقوط النِّظام بعامين، أن نشاط البديري بدأ من (1991 -1992)، ومن جامع شباب أهل الجنَّة، وبعد وفاة آية الله أبي القاسم الخوئي (1992) حيث حبذ بعض أتباع البديري أن يطبع رسالة فقهية، كي يستعد لتولي المرجعية، إلا أن الخلاف حصل وهُدد بتفسيقه، فقد وصل الحال أن يجلس الأتباع بين يدي أبي المهيمن لساعات ويقبلون يديه ورجليه، وقد تراجع البديري من ادعاء المرجعية، لكنه لم يتنصل عن ادعاء أنه المبشر بالمهدي، وانتهى أمر الاثنين، وماتت الفكرة، عندما أُلقي القبض على الشخصين وأُعدما آنذاك.

بعد سقوط النَّظام أُحيت الفكرة وأُعلن عن تأسيس جيش بهذا الاسم (18 تموز 2003)، وقصة اعتراضه على الاحتلال ومَنْ يسير بركابه معروفة، وسمعها الجميع من خطاب قائده، مع أنه لولا وجود الأميركان وإسقاطهم للنِّظام السَّابق ما نبس أحد بكلمة، كذلك أن قصة اتهام أشخاص معروفين في قيادة الجيش بقتل السيد عبدالمجيد الخوئي (10 أبريل 2003) معروفة أيضاً.

ظهر الجيش، في البداية، ضد الاحتلال والطَّائفية، حتى أن صلاته مع "هيئة علماء المسلمين" وكيانات سُنّية، وقيام صلاة الجماعة سوية مع السُنَّة، كانت تُذاع من وسائل الإعلام.
ولم يحصل التَّباعد إلا بعد تفجير المرقد العسكري بسامراء، ويغلب على الظَّن أن جماعة "القاعدة"، وأيامها كانت بيانات أبي مصعب الزرقاوي (قتل 2006) شديدة لخلق حرب طائفية، لذا تمكنت من جر جيش المهدي وإبعاده عن التقارب مع الكيانات السُنَّية، ومن ساعتها تحول الخطاب وتبدل السُّلوك.

على أية حال، يمكن لـ"الصَّدري"، وهو تيار شبيبة وبينه من الواعدين بأدوار مهمة، المساهمة الفعالة في بناء الدَّولة، وفي رُقي مجتمعها، سوى تمسك باسم وطبائع الصدر الأول، باقر الصدر (اُعدم 1980) أو طبائع الصدر الثاني، صادق الصدر (اغتيل 1999)، فإنهما، في كل الأحوال، كانا يمتلكان عفة أخلاقية، وبعيدان عن التورط في خراب الدولة، والفساد بمالها، وأحسب أنهما حريصان على حرية النَّاس، وعدم كراهتم على شيء، لذا لا بد له أن يمنع هو، قبل غيره، من إعادة تجربة جيشه "المهدي".

لا أعتقد أن ذاكرة العراقيين معطوبة إلى هذا الحد، فما حصل بالبصرة (2008) ضد الجماعات المسلحة، ومنها جيش المهدي، حصل بعد "مجهدة وضيق" من تلك الجماعات، ولا يخفى أن تلك الحملة، التي يلوم عليها التيار الصدري وزارة نوري المالكي، أتت بثمارها وراجت شعبية دولة القانون.
مثلما أن قرار تجميد جيش المهدي، من قبل التيار الصدري، أورق شعبية للتيار، وزادت حظوظه في الانتخابات الأخيرة، بعد أن غابت وجوه لا تجيد الحوار ولا الخطاب، تراها متشنجة لا تعي ما تريد، من أهل العمائم أو الأفندية.

إن الاعتراف بالخطأ، وتطييب قلوب الذين لاقوا الشدة من قِبل جيش المهدي، سيضع التيار الصدري في المقدمة، على مستوى العراق، وليس على مستوى الجنوب حسب، وهنا لا بد من اتخاذ خطوة جريئة لإعلان حل تلك المليشيا والتنصل عن ممارساتها، لا الاكتفاء بالتجميد، والتهديد بإحيائها بين فترة وأخرى، ناهيك من أن وجود هذه المليشيا نائمة، حتى الآن، سيعطي الحق بوجود مليشيات طائفية أُخر، وسيقصر من يد أية حكومة في مجابهتها. رشيد الخيّون