في بريطانيا شيء من حماقة إدارة بوش!

بقلم: محمد كركوتي

"الموقف الصحيح في المساعدات..هو حذف الامتنان"
ماريا ماينس مؤلفة وناقدة أميركية

عندما رحلت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن عن البيت الأبيض إلى غير رجعة، خلَفت ـ من ضمن ما خلفت من فواجع ـ أزمة اقتصادية عالمية، تتحدى كل الأزمات الكبرى الأخرى بفواجعها..وقبلها خلَفت موقفاً (وسلوكاً) سياسياً ـ اقتصادياً حيال المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للدول الفقيرة المُعدمة، بلغ حداً اعتبر معه بعض كبار المسؤولين في الإدارة، أن هذه المساعدات ليست ضرورية.
ولو استطاعوا أن يمضوا أبعد من ذلك، لاعتبروها من ''الكماليات''.
ولو تمكنوا من حذفها نهائياً لحذفوها، بل لو أمكن لهم استعادة ما قدموه لفعلوا!
ومن فرط هذا السلوك المشين، تراجعت الولايات المتحدة في فترة بوش الابن، من المركز الأول في قائمة الدول المانحة للمساعدات، إلى المركز الرابع في عام 2008 بـ6.9 مليار دولار، بينما بلغ حجم مساعداتها في عام 2003 نحو 12.9 مليار دولار، لتتقدم عليها كل من فرنسا بـ 12 مليار دولار، وبريطانيا بـ10.7 مليار دولار، واليابان بـ8.9 مليار دولار.
وفي حين احتلت ألمانيا المركز الخامس بخمسة مليارات دولار، بلغت المساعدات الهولندية أربعة مليارات.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة التي لا تزال تتمتع بأكبر اقتصاد في العالم، تقف في أدنى درجة لها أمام دولة صغيرة مثل بلجيكا التي تقدم ألف مليون دولار سنويا كمساعدات خارجية، على أساس ناتجهما الوطني.

هذه الحالة الأميركية المعيبة، كان يقابلها فخرٌ بريطانيٌ مستحق، بالمركز الثاني للمملكة المتحدة في قائمة المانحين، استناداً إلى الفارق الهائل في حجم الناتجين الوطنيين لكل من بريطانيا والولايات المتحدة.
وشكلت الحالة الأميركية نشوة عارمة لحكومة العمال البريطانية السابقة، التي كانت تنظر إلى المساعدات التي تقدمها كجزء أصيل من ''الانتساب'' إلى الإنسانية، وكواجب دولي تفرضه معايير الكبير بهامته وسلوكه في آن معاً، وليس بهامته فقط.
فقد ظلت الولايات المتحدة في عهد بوش الابن هامةً جوفاء، فقدت احترام العالم (سياسياً واقتصادياً وسلوكياً)، بل فقدت احترام الناخبين الأميركيين الذين أَوصلوا هذا الأخير إلى البيت الأبيض.
وتكفي الإشارة إلى أن إدارة بوش الابن، ''فازت'' بكأس أسوأ الإدارات الأميركية قاطبة، داخلياً وخارجياً.

ليس واضحاً، إذا ما كانت بريطانيا بحكومتها الحالية تستعير شيئاً من حماقة إدارة بوش الابن.
لكن يبدو أن الأمور تسير في هذا الاتجاه، رغم أن التاريخ يُثبت، أن الحكمة كانت تعتري الأغلبية العظمى من الحكومات البريطانية المتعاقبة.
ويبدو أيضاً، أن الائتلاف الغريب (وغير المتكافئ)، بين الحزب الديمقراطي الليبرالي وحزب المحافظين، لم يفسح مجالاً للمعايير الإنسانية التي يلتزمها الليبراليون، مع الأخذ في الحسبان أن المحافظين هم الجناح الأساسي في هذا الائتلاف وليس العكس.
في بريطانيا تتشكل ثقافة سياسية باتجاه تحولها إلى سلوك، يمكن تلخيصها في هذه المقاربة: ''إن ما تحتاج إليه سيراليون والنيجر والصومال وإريتريا وليبيريا، وغيرها من الدول المنكوبة اقتصادياً، منذ أن رُسمت حدودها على الخريطة، ليس حتماً أن يكون ضرورياً!''.
فالضروريات التي كان يتفق عليها حتى الخصوم، لم تعد تستحق توصيفها! ولأن الأمر كذلك، فقد قررت الحكومة البريطانية استقطاع مئات الملايين من الجنيهات الاسترلينية من مساعدتها للدول الفقيرة..لماذا؟ لمواجهة تكاليف مشاركتها (وانسحابها مستقبلاً) من أفغانستان! والحجة ـ التي أصبحت ''نشيد'' المتهربين من المسؤوليات ـ هي الأزمة الاقتصادية العالمية، وتبعاتها على الموازنات والمخصصات.

نحن نعلم أن بريطانيا تعيش أزمة اقتصادية تاريخية ـ كغيرها من الدول الكبرى والصغرى ـ ونعلم أيضاً، أنها تضغط الإنفاق العام، من أجل سد العجز في موازنتها العامة.
ونعلم أيضاً وأيضاً، أنها في وضع مالي، بات يهدد الإنفاق العسكري، إلى درجة أنها تفكر في سحب قواتها البالغ عددها 26 ألف جندي من ألمانيا، المتمركزة هناك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
لكن هل يبرر هذا الوضع ''غربلة'' المساعدات البريطانية التي تنتفع منها 102 دولة حول العالم (بما في ذلك دول تحت لواء الكومنولث)؟
وهل يمكن للمملكة المتحدة الحفاظ على مكانتها والتزاماتها الدولية، بعد عمليات التقليص؟
وهل تعجز دولة كهذه، عن الاستمرار في توفير ما يقرب من تسعة مليارات جنيه استرليني (من بينها 2.9 مليار جنيه هي ميزانية وزارة التنمية الدولية)، حتى في ظل الأزمة العالمية؟
إذا كان المثل المصري الشهير ''ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع''، ينطبق على بيت في الحدود الدنيا من دخله، فإنه لا ينطبق بأي حال من الأحوال على دولة كبريطانيا، يمكنها ـ رغم الأزمة ـ أن تحافظ على التزاماتها الدولية، بما يتناسب مع هالتها العالمية.
والواقع أن المساعدات الأوروبية ـ من ضمنها البريطانية ـ تراجعت في العامين الماضيين بصورة ملحوظة، ومن المرجح ألا تفي هذه الدول بتعهداتها الخاصة بالمساعدات، ضمن ما أصبح يعرف بـ''أهداف الألفية'' التي أطلقتها الأمم المتحدة مطلع القرن الجاري.

لبريطانيا ـ كما الدول الكبرى الأخرى ـ حجتها، فبإمكانها القول ''لا توجهوا إلينا اللوم..نحن في أزمة''، ويمكنها وحدها أن تقول ''إننا في الواقع في أزمتين، الأولى: الاقتصادية، والأخرى: الأفغانية ـ العراقية''.
لكن هل تستطيع تحمل تبعات تراجع مساعداتها؟ وهل بإمكانها احتواء المصائب التي ستنجم عنها، وفي مقدمتها ''القنبلة الاجتماعية'' العالمية التي ستنفجر من جراء الشح المالي؟
وبينما العالم يحاول الخروج من الأزمة الكبرى..هل بإمكانه إيقاف استفحال أزمة اجتماعية ـ عالمية أكبر منها؟
أسئلة كثيرة، يبدو أن صانعي القرار البريطاني وضعوها في الملفات المؤجلة، رغم معرفتهم ـ بلا شك ـ أن تأجيلها يعني استفحالها!
وهذا أمر ليس من ''شيم'' دول ترغب في التمسك بتوصيفها التاريخي، كدول كبرى، علماً بأن آثار الحماقة التي تركتها إدارة جورج بوش الابن على بلادها في هذا الصدد، لا تزال ماثلة أمامنا؛ فقد كانت وصمة عار، ولم تكن خطأ سياسياً ـ اقتصادياً.

إن تراجع المساعدات البريطانية، إضافة إلى فشل الدول الكبرى في الالتزام بتعهداتها ضمن نطاق الأمم المتحدة، ستوفر عجزاً يصل إلى 12 مليار دولار مع نهاية عام 2010، بين المساعدات '' الموعودة'' والفعلية! في الوقت الذي تواجه فيه مشاريع التنمية في الدول النامية (التعليمية والصحية والبيئية والإعمارية..إلى آخره)، مصائب جمة، بل إن بعضها توقف بسبب شح الموارد.
ماذا كانت النتيجة الأولى لهذا التردي؟ ارتفاع مستوى الفقر وعدد الفقراء في هذا العالم، وانضمام أعداد كبيرة من الجياع إلى أعدادها الهائلة.
لا توجد أعذار لتخفيض المساعدات، فالأعذار تخص العاجزين فقط.
وعلينا أن نعرف، أن خفض 1.5 مليار أميركي فقط من المساعدات الممنوحة للدول النامية، يعني ـ حسب مفوضية الاتحاد الأوروبي ـ أن هذه الدول ستخسر تمويل بناء 4500 مدرسة أو 1200 مستشفى، لا صفقة طائرات ولا دبابات! ويعني أيضاً، خسارة إنسانية، سيكلف تعويضها أضعاف هذه الأموال، مع استحالة تعويض الكرامة، وصعوبة استعادة الهالة، التي تمتعت بها الدول الكبرى على مدى عقود طويلة من الزمن.(نُشر في جريدة "الاقتصادية")

محمد كركوتي m@karkouti.net