هل بغداد بحاجة إلى مترو ومونوريل؟

بقلم: زاهر الزبيدي

كل يوم تبرز على سطح الساحة الإعلامية في العراق تصريحات مغلفة بالأمل الكبير إلا إن بطانتها لا تنم إلا عن سوء التقدير وقصر النظر الشديد. قد أتهم بالتخلف ولكنها حقائق كبيرة أفرزتها الحركات العمرانية والثورات الصناعية على كافة مديات الحضارة الإنسانية وأهم تلك الحقائق هي أنك عندما تنتهي من إعمار سطح الأرض أتجه الى باطنها وعندما تعمر سطح الأرض اتجه الى فضاءها. فالعالم كله يعمل على هذا الأساس أي أنه يبدأ بتحقيق طموحات شعبه على سطح الأرض ومن ثم ينتقل الى الفضاء.
ولكننا في العراق نختلف اختلافا كبيراً عن كل العالم فنحن نبحث عن المترو وكأنها من أهم المشاريع التي يجب تنفيذها على الرغم من كونه لا يتعدى كونه أحدى قنابل الدخان الإعلامية التي يثيرها مجلس محافظة بغداد وأمانة العاصمة ليغطيان على حجم الفشل في إدارة أمور العاصمة (المنكوبة) بقدر عمقها الحضاري والإنساني.
ترى هل نحن بحاجة أكثر للمترو والمونوريل أم إلى 11000 مدرسة بينت إحصاءات وزارة التربية حاجتها الفعلية لها، وهل نحن بحاجة أكثر للمترو والمونوريل أم إلى مستشفيات السرطان (أعاذنا الله وإياكم منه) أم نحن بحاجة أكثر إلى تبليط الشوارع وبناء المجمعات السكنية بأسرع وقت ممكن أم إصلاح الكهرباء التي باتت مشكلة القرن بالنسبة للعراق فقط أم إلى أن نزيل جبال النفايات عن صدر الحبيبة بغداد أم بناء مصاف جديدة لتكرير النفط لنتلافى المليارات التي تهدر في استيراد المشتقات النفطية وتلك التي تهدر على استيراد الكهرباء وتلك التي تهدر على استيراد مفردات الحصة التموينية الغائبة أو في وضع نظام دقيق للمجاري التي تحولت الى مناطق خضراء بسبب قدمها وتجمع الجراثيم، أو حتى لتوفير أجهزة المفراس الحلزوني ودعم مستشفياتنا بها بدلاً من قائمة الانتظار التي قد تصل الى أربعة أشهر من أجل أخذ موعد في المستشفيات الحكومية.
أين نحن من المترو والمونوريل ولازالت بغداد من أسوأ المدن في العالم من حيث سوء الخدمات وصعوبة العيش والأمان وآني لا أرى إلا أنه سيصبح مقبرة من مقابر العراقيين بسبب الإرهاب الذي يجز أروحنا جزاً.
في ظل وجود عجز مالي في الموازنة للبلد يبلغ 19 مليار دولار، أيها السادة نحن نقترض الآن لسد العجز في الموازنة ونحاول أن نزيد من القرض الياباني فما لنا والمترو والمونوريل والعالم كله يعيش على كف عفريت من حيث الأزمات الاقتصادية التي معها لا يمكن أن نتوقع شيئاً لأسعار النفط.
العالم أنشأ تلك المشاريع ومنها أمارة دبي لكونها استنفدت جهودها على سطح الأرض وبدأت بأعمار ما تحتها. أما نحن فلا زلنا نحبو في مرحلة توجيه الخدمات لأبناء شعبنا وها هو الآن يتلظى من قسوة الشمس وفرط قسوة الصيف اللاهب على رأسه.
مالنا والمترو والمونوريل وأكثر من نصفنا يرزح تحت خط الفقر مع مليون ارملة وملايين الأيتام ومليون ونصف معوق وملايين العاطلين وملايين اخرى بلا مساكن يعيشون بها بكارمة وستر متروكين تحت رحمة الإيجار والتجاوز ويحاربون في كل يوم لرميهم وأعراضهم الى الشوارع.
أرقامنا أصبحت بالملايين وتلك حالة تستدعي التوقف عندها كثيراً وإيجاد الحلول لها ترى ماذا سيقدم المترو لليتيم أو للأرملة أو لغيرهم.
دعونا من تلك الجلبة التي لا تحدث شيئاً ولنبدأ بالأهم فهناك الكثير من المشاريع التي تبدو حيوية في مظهرها ولكن من الممكن تأجيلها لثلاث أو أربع سنوات وتجنب الإفراط في بعض المشاريع الأخرى ولنبدأ بالأهم لمصلحة العراق فنحن لا نعاني من أزمة نقل مثل باقي البلدان فعجلات النقل كثيرة وكذلك العجلات الصغيرة بعد أن أغرقنا السوق بها، ما نحتاج اليه في النقل التنظيم فقط لمرآب وفق نظام دقيقي لحركتها وإعادة العمل بباصات النقل الحكومية وحسب التوقيتات الدقيقة وقد يأتي يوماً يكتفي العراقيون من كل شيء فتتجه أنظارهم الى المترو والمونوريل وأشياء أخرى أهما مناطق الترفيه (المحترمة) فهم الان مجبورون على الذهاب أما الى الإقليم أو الى خارج العراق حيث ينفقون الملايين -من العملة الصعبة التي نحن بأمس الحاجة لها في دعم اقتصادنا وعجزه.
علينا أن تكون أكثر جدية في وضع الرؤى لمدينتنا فهي بحاجة الى رؤيا من من نوع فريد لكونها تستحق ذلك فهي مهد الأنسانية وعنوان العراقة حيث يذكر ابن خلدون في مقدمته:
"إن بغداد كانت المركز الثقافي لبلدان الشرق وسوقا تجاريا عالميا تتعامل مع نيسابور وبخارى وطاشقند والقاهرة والقيروان وقرطبة، وكانت بغداد السوق المالية المزدهرة متحكمة في دينارها الذهبي ودرهمها الفضي، وفي الوقت نفسه كانت انهار الثقافة تتدفق على بغداد من ينابيعها القديمة في مصر وبابل والشام لتفجر بركان الإبداع في عاصمة الإمبراطورية الإسلامية حتى غدت منارا للإشعاع الفكري ورائدة للنهضة الثقافية بينما كانت أوروبا تعيش في ظلام القرون الوسطى تعاني شعوبها (منذ سقوط روما) أقسى صنوف العذاب من الفقر والجهل والمرض لفترة جاوزت مئات السنين، كانت العواصم في الوطن العربي الكبير كبغداد تطفح بالازدهار الحضاري الزاهي ساطعة أنوارها المعرفية لا على بلدان المنطقة فحسب بل جاوزتها الى البلدان الأوروبية ودخلت جامعاتها".
فسبحان مغير الأحوال ونسأل الله أن يغير حالنا ولكن كيف والله لا يغير ما في قوم حتى يغيروا ما في أنفسهم.. فبالله عليكم لنغير ما في أنفسنا؟ زاهر الزبيدي zzubaidi@gmail.com