العراف 'بول' يضبط الفتاوي ويحدد أول رمضان

بقلم: سامي جاسم آل خليفة

سُعدت كثيرا بظهور العراف الإخطبوط "بول" وهذه السعادة تكمن في حاجة الناس للتبصر والبصيرة لاسيما مسلمي العالم الذين يعانون من تخبط رجال الدين وكثرة المتاهات والطرق حتى ضل كثير منهم الاتجاه الصحيح وأخذ يترنح بين الحلال والحرام في تعاملاته ومعاملاته مع أنهم درسوا في المدارس أن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما شبهات فاتقوا الشبهات. وشط بهم الأمر حتى باتت الحاجة ملحة لمخلص يضبط أمورهم. فمن يرى اختلاف الفتاوي بين شيوخ الإفاضة والاستحاضة يدرك الحاجة إلى العراف"بول" لقطع النزاع فيما بينهم في تحليل وتحريم الغناء وإرضاع الكبير وزواج الصغيرة وكشف الوجه. فما أكثر الفتاوي وما أكثر الضائعين جراء هذا الخلاف والتنازع في أمور الدين ولا أدري أين سيصل بهؤلاء الاختلاف وماذا ينتظر التابعون لهؤلاء من مصير أظنه لن يكون أفضل حال من سابقه.
لا تنزعجوا أيها السادة فالعراف "بول" بات حاجة ضرورية حتى يضبط بوصلة الفتاوي ويحدد اتجاه المتدينين وأتباعهم. فحالة الفوضى التي تشهدها ساحة الفتاوي الإسلامية تكاد تربك الحسابات عند جمهور العامة فكل صاحب فتوى ينتظر أن يتصدر القائمة ويحصد عددا كبيرا من النقاط تضاف لرصيده عند مشجعيه ممن يتعبدون الله بفتواه ولا يدركوا من الدين غير هذا طيب مباح وهذا حرام منهي عنه وهذا مستحب مرغوب.
إن تكهن العراف "بول" أصبح محل تقدير الأسبان واحترامهم وأظنه سيكون محل إعجاب من الإسلاميين إذا حاولوا الاستعانة به في كشف عدد الرضعات المشبعات
التي أرضعتها زوجة أحدهم لعمال شركة زوجها وعلى رأسهم السائق الخاص كما يمكن أن يكشف لنا عدد الرقصات التي رقصها أحد المتأسلمين في حفلة أغاني آه ياويل وستغدو نجاحات "بول" عظيمة إذا استطاع أن يحدد الضحايا المفترضين لكتائب الإرهابيين في العراق الذين سيتم تفجيرهم في إحدى الكنائس والمصليات وستكون أسهمه مرتفعة عند "تنظيم القاعدة" و"جند الله" لقدراته العالية التي ساهمت في إراقة الدم وتهجير الأبرياء.
آه يا"بول" لو تعرف كم أنت رائع وكم أنت مثير وكم هم تائهون حيرى لا يعلمون من أمرهم شيئا وإن أردت أدلة أخرى لشدة الحاجة إليك فانتظر بعد أسابيع لتجد اختلافهم في تحديد أول يوم من رمضان فدولة تصوم قبل الدول الأخرى بيومين وأخرى تصوم قبل يوم وكل يجتهد والرعية ما بين هذه الدولة وتلك يتفرجون ويمشون خلف ولاة الأمر الذين سيتسابقون لشرائك من مياه "أسبانيا" وسيدفعون أغلى ثمن لعلهم يهتدون بك إلى نهاية صيامهم ويحتفلون بليلة عيد مُزقت ثيابها تحت ظل هلال بدا مكتئبا حزينا يلوث السواد وجهه وتحرق سموم الصحاري تباشير قدومه وتخنق فرحته اختلاف فقهاء على الأرجح، والأحوط، والأصل، ولم يرد دليل، ولم يفعله السلف الصالح.
إن الإخطبوط "بول" سيغنينا بأذرعه المتعددة عن كثير من دور الإفتاء والهيئات الشرعية وسيقلص صلاحيات هيئة كبار العلماء في كثير من الدول ويحد من ظاهرة الإدعاء الفقهي والمشيخة وسيمنح الفرق الإسلامية خيارات البقاء والتنافس الشريف دون إصدار بيانات التكفير والإقصاء وبحدس العراف "بول" سنقضي على كثير من الموروث الصحراوي الذي يمجد البطولات الوهمية وتقديس الشخصيات وسيرشد عشاق الحريات من المأسورين في كتب العنعنة إلى الأهداف النبيلة التي ترتقي بإنسانية الفرد وتخليصه من عقد الكبت والتاريخ المضلل.
هذه التداعيات إنما هي من نفس مكلومة وجدت في محيطها كثيرا من الشوائب والاختناقات وباعتقادي أن صفقة شراء العراف"بول" من قبل الإسلاميين ليست ضربا من الخيال وإنما هي حاجة تفرضها ظاهرة الفراغ والتناحر التي تعيشها المجتمعات الإسلامية في جوانبها المختلفة والتي انعكست في تصدير الفتاوي اليومية والاختلافات وإراقة دم الأبرياء وحالة النهب والسرقة والفساد المنتشر في كل مفصل من مفاصل تلك المجتمعات وعجز شيوخ الدين عن تطهير أنفسهم وانغماسهم في الشهوات والتباهي بالقصور والفلل والأملاك بجوار المحتاجين على أبواب المساجد والجمعيات الخيرية. سامي جاسم آل خليفة sksp@maktoob.com