صورة المفاوِض الفلسطيني في مرآة 'الأمير'!

بقلم: جواد البشيتي

سمِّها ما شئت إلاَّ "مفاوضات"؛ وسمِّه ما شئت إلاَّ "سلام"؛ فهذا الذي بين إسرائيل والفلسطينيين ليس بـ "مفاوضات"، وليس، لجهة هدفه النهائي، بـ "سلام"، ولا يَصْدُق، بالتالي، وصفه بأنَّه "مفاوضات سلام".

"المفاوِض الفلسطيني"، وهو من جنس "المفاوِض العربي (في أمر السلام مع إسرائيل)"، لم يقرأ "الأمير"، وإنْ قرأه لم يتمثَّل معانيه، وإنْ قرأه وتمثَّل معانية فإنَّه لا يملك من "قوى التفاوض"، ومن "خواص المفاوِض"، ما يسمح له بالانتماء إلى "السياسة" التي أسَّس لها كلاوزفيتس عِلْماً، وجَعَلَها فنَّاً، ونأى بها عن "الأفلاطونية"، وأشباهها، ولم يَقْبَل بغير فريدريك نيتشه "نبيَّاً" لها.

"المفاوِض" الذي يعترف به كلاوزفيتس ليس هو الذي يقرِّر ويختار الذهاب إلى طاولة المفاوضات؛ لأنَّ له مصلحة في (أو حاجة إلى) تسوية النزاع مع خصمه بالتي هي أحسن، أو بالحوار، أو بمنأى عن "الصراع بالحديد والنار"؛ بل هو الذي عَرَفَ كيف يجعل لخصمه مصلحة في تسوية النزاع من طريق التفاوض، ويشدِّد لديه الحاجة إلى ذلك.

وأحسب أنَّني لا أحتاج إلى إقامة الدليل على أنَّ "المفاوِض الفلسطيني"، الذي لا يلقى من "المفاوِض العربي" إلاَّ ما "يعزِّز ويقوِّي ضعفه التفاوضي"، قد نجح في ما كان ينبغي له أن يفشل، وفشل في ما كان ينبغي له أن ينجح؛ فلقد نجح في أن يُقْنِع خصمه، أي المفاوِض الإسرائيلي، بأنَّه ما عاد قادراً على العيش السياسي إلاَّ في مفاوضته، وبمفاوضته، وفشل في إقناعه بأنَّ له مصلحة حقيقية واقعية في أن يجنح للتفاوض (الجاد والحقيقي) معه حتى أنَّ المفاوِض الإسرائيلي قال، غير مرَّة، إنَّه يفاوِض خصمه الفلسطيني وكأنَّه يحاوِر نفسه!

و"المفاوِض" الذي يعترف به كلاوزفيتس ليس هو الذي يَدْخُل قاعة المفاوضات ليصبح كرسياً من كراسيها، فلا يَقْدِر أنْ يغادرها، ويَقْلب الطاولة، كما غادرها أردوغان، وقَلَبَها، في دافوس على مرأى ومسمع من الممثِّل الأعلى للضعف العربي، أي الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.

"المفاوِض" يكفي أن يستبدَّ به الشعور بالعجز عن "المغادرة"، وعن توديع "المفاوضات (التي غدت مضيعة للجهد والوقت، وهدراً لثروته السياسية والإستراتيجية)" توديع هرقل للشام، حتى يَفْقِد الخواص الجوهرية للمفاوِض؛ ولقد دخل "المفاوِض الفلسطيني" قاعة المفاوضات، وفاوَض، وفاوَض، حتى استبدَّ به الشعور بأنَّ الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود، وإلاَّ ما معنى أنْ تتَّخِذ من "فشل" المفاوضات "المباشِرة" سبباً (وجيهاً) للانتقال إلى المفاوضات "غير المباشِرة"، لتتَّخِذ، من ثمَّ، من "فشل" المفاوضات "غير المباشِرة" سبباً (وجيهاً أيضاً) للعودة إلى المفاوضات "المباشِرة"؟!

"المفاوِض الحقيقي" يفاوِض وشعاره "حاوِل ثمَّ حاوِل ثمَّ حاوِل.. ثمَّ قرِّر واحْسِم"؛ أمَّا "المفاوِض" الذي أصبح لجهة صلته بخواص "المفاوِض الحقيقي" كظلٍّ لا جسم له فيُفاوِض وكأنَّ شعاره "جرِّب ثمَّ جرِّب ما جرَّبْت.. توصُّلاً إلى نتائج مختلفة"!

أليست مأساة ما بعدها مأساة أنْ يتنازل "المفاوِض الفلسطيني" لإسرائيل عن القسم الأكبر من "رصيده من الذهب" الذي بفضله يُصْدِر "الأوراق التفاوضية"، لـ "يشتري" بهذا التنازل الثمين "سلطة" كالنقد المزوَّر؟!
وأليست مهزلة ما بعدها مهزلة أن يغدو تهديده بحلِّ هذه "السلطة" كل متاعه التفاوضي؟!

في بعضٍ من البيع والشراء نرى ما يشبه ذلك، فأنتَ الذي لا تجيد الشراء قد تشتري من تاجِر غشَّاش، كإسرائيل، سلعةً كـ "السلطة"، بثمن يفوق قيمتها التبادلية أضعافاً مضاعفةً، فهو أوْهَمَكَ أنَّ قيمتها الاستعمالية لا ريب فيها، أي أنَّكَ ما أنْ تحصل على هذه "السلطة"، ولو بهذا الثمن المرتفع، حتى تصبح "الدولة" في متناولك؛ فلمَّا ثَبْتَ لديكَ، وتأكَّد، غشه (في سعرها، وفي قيمتها الاستعمالية) هدَّدته قائلاً: إنْ لم تُنْصفني فسوف أُتْلِف هذه السلعة أمام ناظريك!

وأخال أنَّكَ سمعتَ جوابه!

في "التفاوض"، الذي هو جزء من كلٍّ هو "السياسة" في عالمها الواقعي الذي تَحْكُمُه قوانين كقوانين الفيزياء لجهة صرامتها، ليس في مقدوركَ أبداً أنْ "تُقْنِع"، أو أنْ تجيد "إقناع"، خصمكَ المفاوِض إلاَّ إذا كان في مقدوركَ أنْ "تُكرهه" على "الاقتناع"، فإنَّ ما تملك من "وسائل وقوى الإكراه" هو "حُجَّتك" الأقوى في الإقناع.

وهذا إنَّما يعني أنَّ "المفاوِض الفلسطيني" إنْ غادر قاعة المفاوضات، وقَلَب الطاولة، فلا يغادر تلك، ولا يَقْلِب هذه، إلاَّ لِيُكْرِه إسرائيل على الاقتناع بأنَّها تَكْسَب إنْ هي جنحت لمفاوضات جادة حقيقية، وتخسر إنْ هي ظلَّت مستمسكة بسياسة ومواقف تُغذِّي نار المقاومة الفلسطينية بمزيدٍ من الوقود.

إذا كانت "المقاومة" هي "الحرب نفسها"، أو "شقيقتها" التي تشبهها كثيراً، فإنَّ "الحرب"، عند كلاوزفيتس، لن تكون من العِلْم في شيء إنْ لم تكن الوجه الآخر للسياسة نفسها؛ أمَّا "السياسة" فلن تقوم لها قائمة إذا لم يُجِب المشتغِل بها عن سؤال "ماذا أريد؟"، فإنَّ من لا يسأل هذا السؤال، ولا يجتهد في إجابته بما يوافِق مصالحه الحقيقية الواقعية لا الوهمية، لن يَعْرِف أبداً ما هي "أولوياته"، فيغدو في حركته كسفينة مبحرة؛ ولكن بلا اتِّجاه.

"السياسة" هي "الهدف النهائي"، الذي يُصْعَد إليه صعوداً؛ ولن يُصْعَد إليه إلاَّ بـ "سُلَّمٍ من الأولويات"؛ ولن نملك هذا "السُّلَّم" إلاَّ إذا عَرَفْنا "ماذا نريد".

والمُشْتَغِل بالسياسة، بصفة كونها بنت العِلْم والفنِّ، إنَّما هو الذي نصفه دبلوماسي يجيد لعبة الدبلوماسية، ونصفه الآخر محارِب يجيد لعبة الحرب، فإنَّ شقَّ الطريق إلى الهدف السياسي النهائي يَسْتَلْزِم وجود قيادة سياسية تجيد فنَّ الإقناع (أي الدبلوماسية والتفاوض) فإذا لم يقتنع الخصم بضرورة وأهمية أن يتنازل ويعتدل ويسير مُقْتَرِباً من منتصف المسافة فإنَّ على القيادة نفسها، عندئذٍ، أن تُظْهِر له، وتؤكِّد، أنَّها تجيد أيضاً فن الإكراه.

إنَّهما مبدآن يَنْصَح بهما "الأمير" كل أمير من أمراء التفاوض أن يأخذ بهما، الأوَّل هو إيَّاكَ أن تذهب إلى مفاوضة خصمكَ قبل أن تملك من قوى ووسائل الإكراه ما يقنعه بأهمية وضرورة أن يسوِّي نزاعه معكَ بالتفاوض، فإنَّ افتقاركَ إلى هذه القوى والوسائل يَعْدِل، لجهة نتائجه وعواقبه الحتمية، افتقارك إلى البندقية والمدفع وأنتَ ذاهب إلى الحرب؛ أمَّا الثاني فهو إيَّاكَ أن تسمح لخصمكَ بأنْ يجعل لكَ من المصالح الشخصية والفئوية الضَّيقة ما يجعلك، في المفاوضات، منفصلاً، ممعناً في الانفصال، عن المصالح العامة التي بتفويض من أصحابها، أي من الشعب، ذهبتَ إلى المفاوضات.

وإنَّهما مبدآن لم يرَ "الأمير" من أثر يُذْكَر لهما في "المفاوِض الفلسطيني" الذي حَمَلَه ضعفه (الذي معظمه من صنع يديه) على تفويض أمره إلى "المفاوِض العربي" المُفوِّض أمره إلى "الوسيط" المنحاز انحيازاً أعمى إلى الخصم! جواد البشيتي