مأثرة الأيزديين مع المسيحيين

بقلم: رشيد الخيوًن

نعود بالزَّمن إلى العشرة الثانية من القرن العشرين، حيث محنة الأرمن والمسيحيين عموماً، والدولة العثمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة. وحصل أن التقيت مع مثقف قدم نفسه للحاضرين أنه تركي، لكن ملامحه جعلتني أشك في هذا الانتساب، فتبين أنه تونسي تجنس بالجنسية التركية وتزوج تركية. نفى صاحبنا أن يكون المسيحيون تعرضوا إلى محنة الإبادة آنذاك! لكن الرَّجل امتثل لرجائي له، بأن ما حدث كان قبل قرن من الزَّمن، والتأكد من الحدث الفاجعة ليس بالمستحيل!
فوجدتها واحدة من الشواهد، وأنا أفتش عن كلِّ كبيرة وصغيرة، تفيد في تأصيل التعايش بين أهل العراق، على مختلف اتجاهات الجغرافيا الأربعة، وقومياته وأديانه ومذاهبه، إنها مأثرة الأيزيديين والمسلمين مع المسيحيين، وعلى الخصوص أن الأخيرين يتعرضون اليوم للإقصاء بالتهجير والقتل، وسيخسرهم العراق مثلما خسر يهوده من قبل، وهم ما زالوا في المهاجر يحسونه نبضاً.
حادثة سطرها الأمير الأيزيدي إسماعيل بك ﭼول، بلغته البسيطة، التي حرص المؤرخ السوري قسطنطين زُريق (ت 2000)، على نشرها كما هي، من دون تعديل، نشرها في كتاب «اليزيدية قديماً وحديثاً» (1934). قال الأمير إسماعيل: لما سمعوا باضطهاد سيصير ضد المسيحيين، أرسلوا إلى مطران دير الزعفران ومطران مالايان، يخبرانهما بأن الأيزيديين مستعدون للمساعدة، ومَنْ يحضر معهما من المسيحيين. وبالفعل حضرت حوالى مائة عائلة، وقام بالمساعدة أيضاً أمير الأيزيدية بسنجار حمو شرو، وأخذ إسماعيل دواب لنقل المسيحيين إلى القرى الأيزيدية بسنجار، وحمل معه صورة السيد المسيح، وقدم لهم الصورة لعلها تعوضهم عن الكنيسة، وتوافد عليهم المسيحيون، وكان معهم قسيس فأخذوا يصلون معه.
أخذ إسماعيل يدور على القرى الأيزيدية يوصيهم بالعناية بالمسيحيين، وخاض الأيزيديون معركة مع المسيحيين ضد العثمانيين، ثم تسلل إلى الموصل، والتقى مع بطريرك الأرمن المنفي إلى الموصل من إسطنبول، واخبره سراً بوجود المسيحيين بسنجار. كذلك عمل الأيزيدية على استقبال قوافل الأرمن المساقة إلى الإبادة، فتحدثوا معهم باللسان الأرمني والتركي، ناصحين العساكر بالرفق بهم، والأرمن بمحاولة الهروب إلى الجبل، وهناك سيكونون بحماية الأيزيدية.
بعدها حصل أن طلب قائمقام سنجار من أمير الأيزيدية تسليمه اثنتين من النِّساء الأرمنيات الأربع، اللواتي احتمين بداره، فامتنع بشدة، فجاءت الأوامر بقتل الأيزيدية وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، كان ذلك في كانون الثاني/يناير 1918، ووصل عسكر عثماني، ووضع شروطاً على الأيزيدية: تسليم المسيحيين الموجودين بسنجار وأطرافها، وتسليم الأسلحة، واخذ اثنين وعشرين من أكابر الأيزيديين كرهائن عندهم، وحصلت المعركة وترك الايزيديون، ومعهم الأرمن، المدينة وتوجهوا إلى الجبل للاحتماء بكهوفه.
وبقيت على شك مما رواه إسماعيل بك من مأثرة، حتى انقطع الشك باليقين بعد ما قرأته في كتاب «القصارى في نكبات النَّصارى» للأب إسحق أرملة السِّرياني (ت 1954). وكذلك ما ذكره الأمير الأيزيدي في شأن التَّضامن بين الأيزيديين والعرب في الموقف نفسه، قال الأب أرملة: «لا بد لنا من كلمة في شأن محمد شيخ طي، فإنه أوصى مَنْ ينتمي إليه أن يحقن دم كلِّ نصراني يلوذ به، وأرسل عدداً من المسيحيين إلى صديقه حمو شرو صاحب سنجار» (القصارى...).
حار الفكر في ما وصف به صدِّيق الدَّملوجي (ت 1958) إسماعيل ﭼول بـ«الأمي والغبي، لا يصلح أن يكون أكثر من راعي أبقار، وليس من له العقل ولا الفهم» (اليزيدية)! أقول: إن مأثرة إسماعيل وشرو وشيخ طي، ومع حراجة الموقف، لفيها دلالة على أن الأوطان والإنسان مفهومان عابران اختلاف الأديان والطوائف، ويكشفان عن ضيق أفق وجيه الموصل الدَّملوجي.
رشيد الخيون