عُمان تقرّب المستقبل

مسقط - من حسين شحادة
السلطان حول عمان الى دولة عصرية

تحتفل السلطنة في الثالث والعشرين من يوليو- تموز بذكرى تأسيس الدولة العُمانية الحديثة التي قادها بكل اقتدار السلطان قابوس.
وقد استطاعت الصعود والترقي رغم كل التحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها منذ السنوات الأولى لمسيرة النهضة المباركة التي انطلقت وفق استراتيجية وطنية هيأتها قيادة واعية حكيمة ذات إرادة صائبة وصلبة وصاحبة روءية حكيمة أخذت بمعطيات الحاضر واستحقاقات المستقبل .
والسلطنة إذ تحتفل بذكرى يوم النهضة العزيزة على قلب كل عُماني فانها قد حققت الإطار الفكري الذي اعتمد وبمجاله الواسع على المشاركة الحقيقية للمواطن في صياغة التنمية الوطنية القادرة والتي اكتسبت معنىً إيجابياً من خلال الروءية التي رأت أن شعور الوطنية لا يكفي، فحب الوطن والإخلاص له يجب أن يتخذا شكل العمل الدائب والمستمر، وهو ما يتوجب على كل امرئ القيام به.
ومن الملفت للنظر أن السلطنة ومنذ بداية عهدها الجديد لم تكتف بأن تضع نصب عينيها حقائق الإمكانات والطموحات بل وازنت بينها بشكل واع، لذا فإنها لم تقفز على المراحل، وإنما أخذت بعين الاعتبار ضرورات الموضوعية والهدوء والالتزام والإدراك، حتى يصبح الهدف في دائرة "الممكن" وبالتالي فإنها تعاملت واحترمت بكل إجلال معطيات التطور والنماء حيث بلورت رؤية شديدة الوضوح وعميقة التحديد فيما يتصل ببناء الدولة متركزة على وضع خطط داخلية توفر للأمة العُمانية الحياة الكريمة عن طريق حسن المشاركة بين طرفي العقد الاجتماعي الذي بموجبه تنشأ الدولة وتتطور.
وفي هذا الإطار اعتمدت السلطنة على ذاتها في التنمية حيث أكد السلطان على ذلك بقوله: إن الأمم لا تبنى إلا بسواعد أبنائها وان المواطن هو أغلى ثروات الوطن.
وفي التفاتة واعية أكد السلطان أيضا أن الثروة الحقيقية لأية أمة إنما تتمثل في مواردها البشرية القادرة على دفع عجلة التطور إلى الأمام في جميع مجالات الحياة. وبما يحقق آمالها ويوقد جذوة الطموح المتجدد فيها وصولا إلى ما تنشده من عـزّة وكرامة وسوءدد.
وبالرغم من أن مسيرة النهضة العمانية الحديثة قد شقت طريقها في مواجهة كثير من التحديات بقدر غير قليل من التضحيات لتخطي الصعوبات التي فرضتها العديد من الظروف الاجتماعية المحلية والاقليمية والدولية في هذه المنطقة الحيوية من العالم والتي تشكل السلطنة بوابة الدخول اليها.
لقد استطاعت السلطنة ان تنطلق بقوة وارادة وبرؤية ثاقبة وفكر مستنير نحو غاياتها التي حددها مؤسس نهضتها السلطان قابوس الذي عمل دوما على تثبيت حكم ديمقراطي عادل في اطار الواقع العماني وحسب تقاليد الاسلام الذي ينير لنا السبيل.
ويستطيع كل من يتتبع استرتيجية بناء الانسان في السلطنة منذ بداية السبعينات من القرن الماضي حتى الان ان يتحدث عن خطة محكمة ومحددة للنهوض بالعماني من مختلف المستويات وبما يجعله يلحق بركاب النهضة العالمية ويكون لحضوره اضافة قوية.
وتواصلت مسيرة البناء فبعد 40 عاما اصبح الانسان العماني قادرا على التاثير والتاثر بالعالم واستطاع ان يستعيد ارثه الحضاري الذي عمل الاباء والاجداد على بنائه منذ فجر التاريخ.
اكد قابوس ان كل خطاباته وتوجيهاته الى الامة منذ كلف برسالة العمال في هذا الوطن كان بناء البشر من اولى اولوياته.
وقال "اننا آمنا بان العنصر البشري هو الاساس في تحويل احلامنا الى واقع يعيشه البشر، ومن هنا كان بناء البشر هو هاجس الدولة العمانية خصوصاً اننا كنا فعلا على مسافة طويلة من المعاصرة وها نحن نجني ثمار بنائنا للبشر فكان التعليم والتدريب والاعداد وكانت العودة للماثور والتراث الذي اخذنا منه ما يفيد زماننا واعتبرنا منه ايضا يخدم توجهاتنا . انني سعيد جدا لتجاوب الناس مع البناء البشري".
فالذي تحقق من منجزات كان شاهداً على التوجه السليم للسياسات التنموية في البلاد بفضل التوجه نحو التقدم الحضاري والسير لبناء دولة عصرية تحظى باحترام الدول المجاورة وتلعب عمان اليوم دوراً حيوياً في الشؤون الإقليمية والدولية أكبر مما توحي به مساحتها، ويمتزج عمرانها العصري بجمالها الجبلي الطبيعي ويكمله، كما استعاد المواطنون كرامتهم ودماثتهم وأريحيتهم التي جبلوا عليها من خلال انتقالهم إلى بيئة العالم المتحضر والجمع بين نكهة الشرق والغرب، وقد تم بنجاح توفير الدوافع لمشاركة المواطنين من كل الأعمار في كل جوانب الحياة في البلاد.
واليوم إن الازدهار الذي يعيشونه وفرص الصحة والتعليم وأسباب العيش المتاحة لهم قد تجاوزت - كما هو الحال في الدول الأخرى - حدود ما توقعه آباؤهم الأولون، فقد تم إنشاء بنية أساسية ممتازة وبناء قاعدة عامة للمؤسسات.
وإذا كانت مسيرة النهضة قد أعادت لعمان وجهها المشرق وتاريخها الحضاري ودورها الرائد في محيطها الإقليمي والعربي والدولي، فإن هذا الإنجاز ما كان أن يتحقق لولا السياسة الحكيمة والمستنيرة التي يقودها السلطان قابوس والالتفاف الشعبي حول قيادته لبناء عمان حرة كريمة أبيّة تتفاعل مع العصر وتتجاوب معه، وفي الوقت نفسه تحفظ قيمها وتراثها وتستخلص منه العبر والتجارب النيرة.
ما يميز عمان في بناء دولتها الحديثة انها استوعبت شرط الموازنة بين الاصيل والمستحدث دون تغليب لكفة على اخرى.
وعمل السلطان قابوس على الاستفادة من جملة عوامل خاصة عمل على اعادة توظيفها في رسم رؤى وتورات النهضة التي بدأت بأسس نظرية لدى ميلادها لأول لحظة قبل 40 سنة، تفاعلت هذه الرؤى مع الواقع العملي وتبلورت تدريجيا مع الممارسة العملية وخضعت للتغيير بناء على المتغيرات المحلية والعالمية، فالنهضة خضعت دائما للتمحيص واعادة التفكير في الرؤى التأسيسية، وهو شأن أي عمل ناجح اذ أن بعض المتغيرات قد تفرض طرح حلول جديدة وبدائل مؤقتة، لكن هذا لا يعني أن النهضة العمانية كانت مشروعا غير محدد من حيث الطرح، بل على العكس تماما فقد كانت جذور الفكر الذي انطلقت منها واضحة تماما، ومنذ اول خطاب ألقاه السلطان في الثالث والعشرين من يوليو- تموز 1970.
ان المنجزات التي ترتبت عن النهضة سواء في الجانب الانساني على مستوى تنمية المورد البشري وتأهيله لدخول العصر والمشاركة في بناء دولته الحديثة، أو في الجانب المادي متمثلا في البنايات والطرق والجسور والمصانع ومشاريع النفط وغيرها.. ليست الا انعكاساً للرؤى التأسيسية التي أمنت بهدف معين وأن انجازه لا يمكن أن يتحقق بعزل ماضي عمان عن حاضرها.
فعمان اليوم هي امتداد للأمس العتيق بعد أن أعيد النظر فيه بناء على مقتضيات وشروط العصر، لتتولد الدولة العصرية أو الحكومة العصرية كما اسماها السلطان في أول يوم تولى فيه الحكم.
فعلى سبيل المثال فإن التجربة الديمقراطية في عمان اليوم متوالدة من ارث عمان في نظام شوري متوارث منذ قرون، غير ان الشورى الجديدة سواء من حيث النظرية والتطبيق خضعت لاعتبارات عصرية في شكلها المؤسسي والاجرائي، وهو أمر طبيعي اذ من غير الممكن ولا المعقول ان يتم انتاج ذات النظم التقليدية في سياق دولة عصرية تعيش شروطا مختلفة من حيث الاطر المعرفية والتاريخية.
واذا كان النظام السياسي في مسألة الشورى قد طور بنى الماضي وجعلها تتعيش مع العصر، فثمة جوانب أخرى في الحياة تطرت بذات الطريقة وهي تحتفظ بمعادلة التوازن.
من المسائل التي تتجلى بصفاء في عمان ان التركيز الاولي يقوم على نظرية تجعل الانسان هو الغاية والهدف، حيث ان النتائج المادية المتمثلة في مجسمات المدن بكافة بنيانها ليست الا وسائط أو وسائل جاءت من اجل الغاية-الهدف-الانسان.
فالنمو الاقتصادي ليس غاية في حد ذاته ولكنه وسيلة لتحقيق اهداف هامة بالنسبة للافراد والمجتمعات تتمثل في ايجاد الموارد المساندة للرعاية الصحية والتعليم والحد من وطأة الفقر.
ويتجلى ذلك من خطب السلطان قابوس التي تدعو بشكل شبه دائم الى النظر الى الانسان بوصفه المركز والهدف لمشروع التنمية، حيث يكون الاقتصاد ليس الا وسيلة لادارك الغاية في مولد انسان يتمتع بالعقل السليم والصحة والرعاية الشرط الأجتماعي الذي يؤهله لأن يكون فاعلاً من خلال وجود حقيقي وقدره مترتبة عن الوعي بالمحيط والعالم.
وقد أكد السلطان قابوس دائماً وفي شتى المناسبات على "أن الانسان هو هدف التنمية وغايتها، كما أنه هو أداتها وصانعها، وبقدر ما ينجح المجتمع في النهوض بموارده البشرية وتطويرها وفي تأهيلها وفي صقل مهاراتها وتنويع خبراتها يكون نجاحه في اقامة الدولة العصرية المتقدمة في مختلف مجالات الحياة أكبر".
ويمكن تفسير ذلك بعبارات تتلخص في "ضرورة العمل والاسراع من اجل اعادة بناء الانسان العماني الحديث".
ان اعادة بناء الانسان لهي من اصعب القضايا التي تربك اي مشروع تنموي،
وبغيابها لا يكتمل اي بناء. ولهذا السبب نجد ان جزءا من نجاح التجربة العمانية الحديثة قام على مبدأ النظر الى الانسان اولاً، حيث كانت البداية به، ومن ثم تذللت الأمور الأخرى. وهو الانسان الذي حدد السلطان قابوس بن سعيد محدداته وشروطه في التالي: "المؤمن بربه المحافظ على اصالته المواكب لعصره في تقنياته وعلومه ولآدابه وفنونه، المستفيد من معطيات الحضارة الحديثة في بناء وطنه وتطوير مجتمعه".
ولعله من الواضح ان هذه الصيغة الوصفية التوجيهية ترسم بشكل واضح ملامح الانسان الجديد المطلوب والذي ليس هو جديد منشرخ عن ماضيه وأمه، وليس هو قديم تقليدي، فهو يقوم على المواءمة بين الأمس واليوم، بين الأصالة والمواكبة.
إن فلسفة السلطان قابوس في اعادة بناء الانسان العماني اتخذت الحالة الوسطية في الاحتفاظ بأصالة الماضي مع الأخذ بمعطيات العصر، وهي فلسفة تبدو سهلة من حيث المنحى التطبيقي الألي، لكنها على العكس من ذلك بمجرد الانطلاق نحو أغوار التطبيق العملي لأنه من أصعب الأشياء اقامة هذا التوازن الذي يلتزم بمعنى من معاني الحداثة في كونها تقوم على التغيير والتطوير استنادا الى جذر الماضي، فالشعوب التي استطاعت ان تحقق اضافات على مستوى العالم كما في نموذج التجربة اليابانية لم تتوفق لولا أنها اتخذت رؤيتها للحداثة وفق احداث حالة التوازن بين الأصيل والجديد، حيث يتم حذف المعوق من رواسب الأمس سواء كان ذلك المعوق فكريا أو مادياً، والأخذ بفضائل الأمس، ومن ثم اعادة البناء بادغام الجديد الذي لم يكن حاضراً بأي شكل كان في الماضي.
يمكن تلخيص مشروع النهضة العمانية التي بزغ فجرها في 1970 على أنه محاولة انسانية لاحداث توازن بين التراث والمعاصر، فإذا كان الماضي يمثل ارث الانسان، أمسه وذاكرته، تقاليده وقيمه، التي لا يمكن تجاوزها بسهولة باعتبارها المرتكز الروحاني لبناء الذات، فإن الحاضر هو موضع هذه الذات المتأثرة بما حولها من تحولات كونية، والتي لا يمكنها بأية حال من الأحوال أن تنفصل عنها، فهي تتأثر بها وتؤثر فيها . بيد أن العقلانية تتطلب من الانسان ايجاد التوازن الموضوعي الذي يجعل الماضي والحاضر يتعايشان في وفاق جدلي مفيد بامكانه رفد الحياة نحو الأفضل بدلا من الخصم من رصيد الروحاني على حساب المادي الذي تعززه الحياة الحديثة بدرجة واضحة في تمثلاتها الجلية .
ترتكز نهضة عمان الحديثة على قاعدة قوية امتازت بقدرة سلطانها على الحكم بنزاهة وحرصه على سعادة ورفاهية شعبه حيث يصرح: "قد حرصنا على أن تكون كل خطوات النهضة العمانية نابعة من صميم واقعنا مستوحية من تراثنا وديننا وقيمنا آخذة بالمفيد مما توصلت اليه الحضارة الانسانية في تطورها المتواصل سواء أكان ذلك في مضمار مشاركة المواطنين في الشؤون العامة وتقديم الرأي والمشورة للحكومة إسهاما في صنع القرار الوطني على مستوى الدولة أو كان ذلك في مجالات النهوض باقتصادنا ورفع مستوى المعيشة لافراد مجتمعنا من أجل توفير العيش الكريم له بفضل الله ورحمته. كما حرصنا أيضا على ان تكون كل مرحلة من مراحل بناء هذا الوطن في كل المجالات نابعة من تصور واضح واع لمتطلبات كل مرحلة. ونحن على يقين من أن ذلك النهج قد أرسى قاعدة قوية صلبة تقوى على تحمل مراحل التطور القادمة بإذن الله فكريا وعمليا".