'الحمامات' التونسية تفتح عباءتها البيضاء

ادخلوها آمنين

الحمامات (تونس)ـ على بعد 60 كلم من العاصمة تونس تجثو مدينة الحمامات قبلة شاطئ المتوسط وحولها بساتين الكروم والرمان والزيتون توشحها القباب البيضاء والأبواب الورقاء وفنادق فخمة يدخلها الزائرون آمنين.
وتتحول "الحمامات" كما سميها التونسيون خلال الصيف إلى وجهة جذابة للسياح الباحثين من التونسيين والجزائريين والليبيين والأجانب.
وتتسلق مدينة الحمامات الخارطة التونسية لتستقر في حضن الوطن القبلي على الخليج المعروف باسمها على الساحل الشرقي لتونس بين نابل وسوسة، جامعة في ربوعها الرقة والمتعة.
فهذا البحر الهادئ الجميل يملأ الأرض بضيائه الياقوتي ويداعب الماضي بمرح أمواجه تحت أسوار البرج العالي.
وقديماً كانت تسمى الحمامات "ببوت "وقد عرفت ازدهاراً كبيراً في العهد الروماني بفضل فلاحتها ونشاطها التجاري والبحري.
أما اسم المدينة العربي "الحمامات "حسب رواية الأهالي فقد أطلق عليها بسبب العدد الوافر من الحمام المعشعش في تجاويف الصخور بالجبال المجاورة والذي يحط على السطوح وعلى أهم معالم المدينة الأكثر ارتفاعاً.
واختارت الأميرة المتوسطية اللون الأبيض لديارها وواجهاتها التي ترصعت الأبواب والنوافذ بلون يحاكي زرقة البحر الدائم والسكينة في ظل خليج يحمي المنطقة من التقلبات والعواصف ناشرة رداءها الأبيض كعباءة مفتوحة إلى سماء في زرقة الفيروز في اطلالة على بحر دافئ يختلط لونه بلون أفق بعيد ساحر.
وتعج الحدائق المحاذية للشاطئ بأشجار البرتقال والياسمين، فيما الشوارع الضيقة المتعرجة التي تقوم وراء الأسوار العالية تقص على السائحين أسرار مئات السنين التي عرفتها المدينة وعاشتها.
وتمثل المدينة عالماً فريداً يتناقض مع أجواء الصخب والهرج والمرج التي تعج بها حيث يشعر الزائر بمشاعر الاسترخاء تتسلل إليه تدريجياً ومعها إحساس قوي بالهدوء والسكينة وهي زاخرة بالمقاصد السياحية التي تجذب السائح العربي بشكل كبير ففيها الطبيعة الجميلة والأسعار الرخيصة وهناك المطاعم والمقاهي القائمة بين محال بيع المجوهرات ومتاجر الملابس المصممة محلياً والمستوردة من الخارج، ودكاكين الصناعات التقليدية من خزفيات وسجاد ومشغولات الخشب والنحاس والفضة والعنبر.
أما الترفيه والرياضة في المدينة فوسائلهما متعددة لعل أكثرها متعة الرياضات البحرية حيث توجد تشكيلة من اليخوت المزودة بمحركات والمراكب السياحية والقوارب الشراعية التي يمكن أن تستأجر مدة أسبوع أو القوارب الخشبية التي يتم استئجارها ليوم واحد.
وحتما من يزور الحمامات مرة يحن إليها في كل عام.

حكاية عشق قديم وللطبيعة سحرها في الحمامات وزيارتها تشعرك بانك في عالم مليء بالمفاجآت تجعلك مشدودا لقضاء أطول وقت في هذا الجو الحيوي حيث التسلية والترويح عن النفس والأنشطة الثقافية والمهرجانات وسهرات الموسيقى والمرح والتسوق اما حياة الليل فلها معنى آخر.
وبين الحمامات والبحر الأبيض المتوسط عشق قديم فهي تعانقه بحنان خليجها وهو يلجأ بشغف إلى صدرها الرملي الذهبي فتسكن أمواجه وتصفو مياهه وتشرق زرقته على المصطافين الذين يؤمونه من كل الأقطار.
ومنذ القدم كـانت المدينة نقطة التقاء البـاحثين عن الراحة في كنف جمـال مسكر تدور له الرؤوس في اختلاط بين روائح زهور البرتقـال وعطور الورد والفل والياسمين.
وكم من أديب وشاعر ومبدع جعلوا من الحمامات "حمام" أتعابهم الشتوية يلوذون بدفء أحضانها المريحة كلما أرهقهم دأب الأيام كونها الخليج الذهبي المشمس المخضر ولكونها منبع الإلهام الشعري ونقطة ضوء من شمس المدن التاريخية التونسية المشعة على الصعيد العربي المتوسطي والعالمي.
فالمدينة والبرج والأسواق والمنازل والشوارع والمقابر والكهوف القديمة الموغلة في التاريخ والحدائق الغناء بوأت الحمامات أن تصبح مدينة السياحة الثقافية العالمية.

مبدعون..في ضيـافة الشمس قبل أربعين عاماً ونيف لم تكن هذه المدينة التي استضافتها الشمس وتربعت على عرش جمال المتوسط لتكون قبلة عشاق الحياة من كل صوب وحدب لم تكن، إلا مدينة صغيرة بل قرية هادئة عندما اكتشف أهل البلدة أنه ليس من حقهم الاحتفاظ بها لأنفسهم بل عليهم أن يشاركوا في التمتع بمفاتنها كل الذين يحبون الحياة.فانطلقت النهضة السياحية وأقيمت شبكة من الفنادق ممتدة على طول الشاطئ يوحدها مهما كبر حجمها أو اتسعت رقعة انصهارها في المحيط الطبيعي كأنما هي عنصر من عناصره تلك.وها هي المدينة العصرية بفنادقها وأبنيتها الحديثة ومركزها التجاري الذي يحتل موقع القلب، لا يكاد ينام أثناء الليل طالما يستقطب الزائرين بشراء معروضات دكاكينه وتنوع أطباق مطاعمه وقاعة عرض الأفلام.
ويتصدر هذا الوسط السياحي الساحر المركز الثقافي الدولي "دار سباستيان" وهو ملتقى الفكر والفن بجميع الأصناف والأجناس والتعابير...هنا بين أغصان البرتقال وتحت أهداب النخيل الحالمة وفي كل صائفة ينتظم بالمركز الثقافي مهرجان الحمامات الدولي حيث يقف على مسرحه الشبيه بآثار الرومانيين ألمع نجوم الطرب العربي الأصيل وكبار الفنانين العالميين ولا يخلو شهر من وجود تظاهرة ثقافية أو فنية يلتقي فيها رجال الإبداع ببعضهم البعض وتقام العشرات من العروض الفنية المترجمة عن أحاسيس الإنسانية المعاصرة وطموحاتها ويحفل سجل المركز بأسماء مئات الفنانين والمبدعين الذين مروا بهذه الدار فخلدوا روعة طبيعتها وسحر أرجاءها في إبداعاتهم ومذكراتهم.

تحف معمارية ترصع الخليج اللازوردي واشتهرت الحمامات بأسوارها البيضاء وقلعتها السابحة في البحر وقد حافظت مدينتها العتيقة منذ قرون على مظهرها كما وصفها زوارها مركزين على القلعة والأسوار، معجبين ببحرها ونظافة أزقتها وهي مدينة صغيرة حسنة البناء تقع مباشرة على ضفة البحر الذي تلاطم أمواجه جدران القلعة الشامخة ويعود بناؤها إلى سنة (281 هـ – 893 م) بأمر من الأمير ابراهيم الثاني بن الأغلب.
ومنذ القرن السابع عشر استفادت المدينة من التأثير الحضاري الأندلسي.
والمدينة العتيقة بالحمامات لا تماثلها أخرى فكأنها تتقبل تأثير الحقول والأجنة وكذلك لطف الخليج ونشوة النور وهي تحيا في معزل عن نسق الحياة العصرية كما لو كانت هذه العزلة تمنحها المسرة والافتخار بصومعتها الناصعة البياض المطلة على جامع سيدي عبد القادر الفسيح الجميل.
ولكل وجه من الصومعة ست شرفات وخمس كويرات خضراء يعلوها هلال دقيق، أما قبابها فهذه قبة ضريح الولي الصالح سيدي بوحديد التي تمنح المدينة رونقاً خاصاً.
وترى منازل المدينة قائمة الواحدة تلو الآخر في نفس الحجم تنفتح إما على البحر أو على شوارع ضيقة متجاورة وتتشابه المعابر التي يضيق بعضها فلا تكاد تتسع إلا لشخص واحد.
وفي إطار شاعري خلاب يتصدر البرج العتيق على حافة الأمواج منتظراً عودة الصيادين منذ القرن الخامس عشر.
وهو يشرف من جهة الشرق على خليج الحمامات ومن جهة الغرب على بساط بساتين البرتقال والياسمين.
ويعتبر البرج تحفة معمارية تتشابك فيه الممرات، وفي الساحة الرئيسية على مقربة من ضريح الولي الصالح "سيدي بو علي" يقام متحف الملابس التقليدية أين يحلو للزائر أن يتوقف عنده ردحا من الزمن.
وتحوي المدينة العتيقة أسواق الحرفيين موفرة فرصة للتجول عبر شوارعها وفي مقاهيها ليرتشف السائح الشاي الأخضر ويقدم القهوجي "قهوة الززوة" الشهيرة بالحمامات وتدعوه للتمتع بالفرجة على الأنامل الحاذقة لطرازة تونسية وهي تبدع أناقة الفتاة الحمامية وإلى جانبها ينهمك نقاش في نقر أوان نحاسية ناقشاً عليها زخارف تونسية.
ومن أعلى قلعة المدينة يلوح لك الخليج اللازوردي وقد تتابعت شطآنه الفنادق الفخمة وتبدو الحمامات كجوهرة بيضاء وسط الأجنة الخضراء تحيط بها الروابي وقد فاحت منها روائح أزهار الحمضيات.

'ببوت' سجل حافل بمفردات الحضارة المتوسطية تضم الحمامات تراثاً ثقافياً متنوعاً غنياً يبدو في مدينتها التاريخية "ببوت" الثرية بمفرداتها الحضارية وموقعها المتكامل الذي أدخل المدينة الأثرية من الباب الكبير في معجم حضارات المدن المتوسطية؛ لكونها قطباً سياحياً وقطباً ثقافياً أثرياً حيث تتكشف بشدة 2500 سنة من التاريخ فتجدها في كل ركن وعلى كل حجر وأول من عرف المدينة هم الفينيقيون وقد اتخذوها مصيفا يهرعون إليه في أيام الصيف الحارة وأيام الشتاء المشمسة.
و"ببوت" أو "بودبوت "مدينة ساحلية كان لها فيما مضى أهمية تذكر وآثارها توجد اليوم قرب قصر الزيت ونلاحظ من بين تلك الآثار كتابتين تحملان اسم "سيفيتاس "و"سياجيتان "وقد ازدهرت الحضارة في مدينة "ببوت "الحمامات القديمة بازدهار الفلاحة والتجارة البحرية وكثرت فيها دور الإقامة والمتاجر لخدمة القوافل التجارية في العهد الروماني.
وأسست فيها الكنائس والمنتزهات وآثار الآبار العميقة والحمامات والمساكن التي تحتوي على أبدع قطع الفسيفساء والمقبرة الرومانية خير شاهد على ذلك.وهي أول نقطة تلمس بها الطريق المتوجهة من قرطاج نحو الجنوب على ساحل البحر الذي يمكن أن يحملها إما نحو الجنوب الشرقي والجنوب وإما نحو الشمال الشرقي في اتجاه نابل وقليبية وتقدر المسافة بين سوسة "حضرموت" قديماً و"ببوت" من على الشاطئ ما بين (30 و32) ميلاً.

'ياسمين ـ الحمامات' عروس المدن السياحية ومع ميلاد "ياسمين ـ الحمامات" أصبحت الحمامات مدينتين في واحدة؛ الأولى (الأم) تاريخية حالمة تراها تارة كعجوز وقور وتارة كعروس في ليلة زفافها والثانية (البنت) تتفجر جمـالاً وفخامة وتفتح ذارعيها للزائرين الباحثين عن صفحة ماء متلألئة تحت الشمس الذهبية والنسائم الحانية المتسللة من الغابات والجبال المجاورة.
وتستقطب "ياسمين ـ الحمامات" فئات مختلفة من السياح انطلاقاً من أهمية موقعها فهي لا تبعد عن سواحل صقلية سوى 60 ميلاً فيما تحيط بها الموانئ الترفيهية من خاصرتيها الجنوبية سوسة والشمالية سيدي بوسعيد وتمتد إلى غربها جبال وربى خضراء في منطقة زغوان الشهيرة بغاباتها وينابيعها الصافية المتفجرة في المرتفعات.
"ياسمين- الحمامات" هي الابنة البارة لمدينة الحمامات، وهي آخر مولود للسياحة التونسية، تتميز بكونها مدينة مندمجة ترث أمجاد الحمامات القديمة التي استقطبت ملايين السياح وهي تحتل قلب المدينة الجديدة وتتطلع إلى منافسة "كان" و"نيس" و"سان تروبي" و"ماربيا".
فعلى امتداد ساحلها يجري إنشاء أربعين فندقا يفتح جميعها على البحر ومطاعم ومقاه وكازينوهات ومراكز للتسلية تقودك في نهايتها إلى ميناء ترفيهي حديث يتسع لأكثر من 740 يختا وسفينة سياحية مع فضاءات ترفيهية ومراكز تجارية ونواد ومنشآت للأطفال وفيلات مستقلة وشقق مفروشة إضافة إلى أسواق تقليدية أنشئت على طراز أسواق المدن العتيقة في تونس والقيروان وسوسة وصفاقس وغيرها من المدن التاريخية.
وتوفر "ياسمين" لزوارها فرصة الإقامة في قلب المدينة التاريخية المستعادة وبين أسواقها ومحلاتها فهي تشمل على أكثر من عشرين ألف متر مربع من الأسواق المسقوفة و800 سرير لمن يعشقون السفر إلى مناخات المدن العربية التراثية والإقامة في حضنها الساحر وتوفر المدينة لعشاق الرياضة ركوب "المناطيد" التي تجرها زوارق سريعة فتعلو في الجو وتتيح إلقاء نظرة بانورامية على مدينة الحمامات بقلعتها التاريخية وبساتينها وساحلها المزدحم بالمصطافين.