السلام يتطلب شجاعة

بقلم: زياد العسلي

كثيرا ما يُنظر إلى العلاقات الإسرائيلية – الفلسطينية على أنها معادلة محصلتها صفر، حيث كل ما هو جيد لطرف منهما يعتبر سيئاً للآخر. غير أنه في الواقع، يحتاج الطرفان- ولأسباب مختلفة- إلى ذات الشيء، ألا وهو اتفاق تفاوضي ينهي الاحتلال والنزاع إلى الأبد.
لا يستطيع الفلسطينيون تحقيق هدفهم الأساسي المتمثل بالاستقلال والدولة بدون اتفاق تفاوضي، وكذلك لا يمكن لإسرائيل أن تحقق السلام ورسم الحدود والقبول الإقليمي والأمن طويل الأجل من دون اتفاق تفاوضي مع الفلسطينيين.
على الرغم من ذلك، تعامل الإسرائيليون والفلسطينيون كل مع الآخر ومنذ زمن بعيد بحالة من الريبة العميقة. ومن أكثر الأمور إثارة للغضب والسخط ما تعكسه وبصورة مستمرة استطلاعات الرأي العام بين صفوف الإسرائيليين والفلسطينيين من كون الغالبية المهيمنة في كلا الطرفين تفضل حل الدولتين، رغم أنها تشك فيما إذا كان تحقيق ذلك الحل ممكنا، غير أن ذات الغالبية مقتنعة بأن الطرف الآخر غير مخلص ولن يقوم بتحقيق ذلك. وينعكس هذا التوجه أيضاً في آراء العديد من اليهود والعرب الأميركيين.
لقد حالت هذه التعميمات الواسعة المتجذرة في عقود من الشك العميق وعدم الثقة والتجارب السلبية دون قيام الطرفين بالعمل سوياً لتحقيق هدف مشترك. هذا الأمر يجب أن يتغير.
من الضروري أن نعترف بالأواصر العميقة والروابط التاريخية للفلسطينيين واليهود على أرض فلسطين وإسرائيل. لكل منهما طروحات وطنية شرعية، ولكل منهما مشاريع وطنية مشروعة. لكن طروحات الطرفين غير متلائمة على نحو كامل، وأنا أشك في أن يحدث أي تلائم في أي وقت في المستقبل. يكفي أن نقبل بشرعية طروحات الطرفين، كل على طريقته، وأن تترجم هذه الطروحات من خلال دولتين منفصلتين ومستقلتين تتمتعان بسيادة وتعيشان جنباً إلى جنب بسلام.
وهنا، في اعتقادي أن هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، حتى بين صفوف من يؤيدون اتفاق حل الدولتين داخل مجتمعينا. فهناك الكثيرون ممن يقفون إلى جانب مثل هذا الاتفاق في حين يستمرون في رفض شرعية طرح الطرف الآخر، ويشيرون إلى وجود مشروع وطني واحد لا غير يتسم بالشرعية الصادقة. يجب الوقوف في وجه هذا التوجه لأنه يقوض طريقة التفكير المطلوبة لتحقيق الحد الأدنى من المصالح الوطنية الجوهرية لكلا الطرفين.
يخشى العديد من الإسرائيليين وأصدقاؤهم الأميركيون "تقويض شرعية" دولة إسرائيل، وهذا أمر معقول ومفهوم. إن الطريقة الوحيدة لبناء مستقبل سلمي للفلسطينيين والمنطقة بأكملها هي بالاعتراف بشرعية دولة إسرائيل وتقبلها في سياق الاتفاق الذي ينهي الاحتلال والنزاع من خلال إقامة دولة فلسطين القابلة للحياة.
على الرغم من ذلك، وفيما نعارض بشدة نحن في فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين تقويض شرعية إسرائيل، نعارض كذلك الاحتلال وندعم الجهود السلمية لإنهائه. لقد دعمنا بكل قوة الجهود الفلسطينية لبناء هيكلية مؤسساتية وبنيوية تحتية واقتصادية وإدارية للدولة الفلسطينية في ظل الاحتلال بهدف إنهاء الاحتلال، وفي نفس الوقت، أيدنا جهود الاحتجاجات السلمية كالمقاطعة الشعبية لبضائع المستوطنات التي تلفت الانتباه للتمييز المهم وغير القابل للإنكار بين إسرائيل بحد ذاتها من جهة، والاحتلال والمستوطنات من جهة أخرى.
بعض الإسرائيليين غير راضين عن هذا التمييز وينظرون إلى هذه الجهود كجزء من حملة تقويض الشرعية. نحن، بكل احترام، نختلف مع هذا الفهم. لا يمكن أن يكون الاحتلال مرادفاً لإسرائيل، ذلك لأن الاحتلال يجب أن ينتهي ليتسنى تحقيق السلام، وينبغي أن يمتلك الفلسطينيون القدرة على معارضة الاحتلال في سعيهم السلمي من أجل دولتهم المستقلة.
لقد ظل فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين ثابت في موقفه، وجريء – إذا ما جاز لي القول- في رفضه الحازم لأية جهود من شأنها أن تشوه أو تقوض شرعية إسرائيل، وفي معارضته لأي شكل من أشكال العنف أو التحريض. لقد دفعنا ثمناً سياسياً وشخصياً كبيراً مقابل هذه المواقف على مدى السنوات السبع الماضية، ولكننا نعتقد أن هذه المواقف ضرورية للقيام بدور بناء من أجل إنهاء النزاع.
أقول بصراحة: يحدونا الأمل بأن نشهد مواقف شجاعة من منظمات أميركية يهودية مساندة لإسرائيل حول القضايا السياسية، مثل توسيع المستوطنات الذي لا يقوض شرعية الدولة الفلسطينية فحسب، لا بل و يعمل في الواقع على تهديد فرصة تشكيلها. نحن نشعر أن الوضوح فيما يتعلق بالنتائج التي نسعى إليها وماهية السياسات التي تعزز وتسهل هذه النتائج أمر ضروري.
عندما قمنا بتأسيس فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين، فعلنا ذلك ونحن ندرك أن هناك خيارات صعبة يجب علينا اتخاذها، وأن علينا أن نكون مستعدين للقيام بذلك، ولقد قمنا بذلك بالفعل. والآن هناك أمام جميع الأطراف خيارات صعبة وقرارات ينبغي اتخاذها أيضا. زياد العسلي هو رئيس فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين. اقتبست هذه المقالة من كلمة القاها أمام الحضور في مؤتمر نظمته مؤسسة مشروع إسرائيل في 22 حزيران/ يونيو في واشنطن.