نصر أبو زيد: الحارس هو الله!

بقلم: رشيد الخيّون

ليس الباحث نصر حامد أبو زيد (1943 -2010) هو الأول والأخير، في ماضينا وحاضرنا، يواجه الوحشة في قضية تكفير كادت تودي بحياته، إنما المئات قبله، مذ صار الحرف يعني النُّور، وصار التكفير وظيفةً، فالدِّين ليس له أعداء، لكنه إذا ما رُفع رايةً لحزب سياسي، وأُتخذ اسم الله تعالى عنواناً لميليشيا، لابد أن يتعرض التَّدين السياسي إلى النَّقد، لكن أهل ذلك المنحى يأخذون النَّقد جحداً بالدِّين. فما يحتكم إليه الدِّين السياسي هو تفسير النَّص لا النَّص نفسه، بدليل أن العديد من علماء الدِّين يرفضون التدَّين السياسي.
وما حاوله أبو زيد، ليس أكثر من القول بالاجتهاد في تفسير النَّص، بعلمه أن كلَّ مسلم يجد يتحصل العِلم له الحق بالتَّفسير، وهذا ما يُقرأ في: "الإمام الشَّافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسيطة"، و"دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة"، و"إشكاليات القراءة وآليات التأويل".. إلخ. يمكن أن يكون أبو زيد قد أخطأ، أو تجاوز وأغفل، لكن لا يبرر ذلك حرمانه من حق أكاديمي، وهو الباحث الدؤوب، ثم تكبر القضية إلى الحُكم بالرِّدة، وطلاق زوجته!
أقول: أليس كتاب"أبي آدم" للشيخ صاحب التَّقرير ضد أبو زيد، كان اجتهاداً في النَّص، حيث توصل فيه إلى أن آدم النَّبي غير آدم الذي تناسل منه البشر! وهذا عين ما ذهبت إليه فلسفات قبل الإسلام، وهو القول بالإنسان القديم (النَّديم، الفهرست). فلماذا يُحل الاجتهاد في النَّص لهذا ويحرم على ذاك!
التقيت نصر أبو زيد بعدن (1992) يوم أَعدت جامعتها مؤتمراً علمياً كان أبو زيد أبرز نجومه، ثم بعد محنته بلندن (1996)، كان لقاءً مختصراً، لناحية أَمنية، أقامه مركز الدِّراسات الآسيوية الإفريقية، معهد الاستشراق سابقاً، وكانت زوجته الدكتورة ابتهال يونس ترافقه، وآخر لقاء كان بمكتبه بجامعة ليدن بهولندا (2001). يظهر في ندواته وأحاديثه، عالماً متدفقاً، ثري العبارة، ومتواضعاً كالتراب.
أهديت له حينها وأنا خجلاً، لباعه العلمي وصيته الذائع، كتابي "معتزلة البصرة وبغداد"، وإذا به يُبدد خجلي، بأنه حصل على كتاب آخر لي "جدل التَّنزيل"، ذاكراً لي محتواه، والأَمر، في كلا الكتابين يتعلق بالمعتزلة، وما أثارت قضية "خلق القرآن" في زمن المأمون (ت 218 هـ) من ردود أفعال لأنها طبقت عن طريق السُّلطة، في زمن المأمون وأخيه وابن أخيه من بعده.
هذا هو بيت القصيد وما اختلف به نصر حامد أبو زيد مع أهل الرأي الآخر، عندما تتحول قراءة واحدة للنَّص إلى سلطة، تضرب كلّ القراءات والتفسيرات الأُخر عرض الحائط. فسبب الاختلاف في قراءة النَّص كانت المواجهة بمصر، من قبل، مع الشيخ علي عبد الرازق (ت 1964) ضد كتابه "الإسلام وأُصول الحكم" (1925).
وخشية وتحسباً من التَّكفير، وبالتالي القتل، استهل الشيخ كتابه بالشَّهادتين، على غير ما جرت عليه العادة في كتابة خُطب الكتب، وتأكيد عبوديته لله وإيمانه بالرِّسالة والملائكة، على أمل قطع الطريق على مكفريه، وهو يتحدث عن عدم وجود أو وجوب الإمامة أو الخلافة، وبالتالي الدَّولة الدِّينية، ومع ذلك لم يعتقوه، فلم يرد عليه مجلس المحاكمة (كبار العلماء) التَّحية (عمارة، الإسلام وأُصول الحكم لعلي عبدالرازق دراسة ووثائق)، مع أن آية التَّحية تقول: "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا" (النساء، آية: 84). ولم تخصص الآية هوية الإنسان عند الرَّد عليه، وهنا يأتي الخلاف على قراءة النَّص على الرَّغم من وضوحه، وحصل ما حصل للشَّيخ لأنه قال: لا يوجد ما ينص على الدَّولة الدِّينية.
وبما أن الدُّنيا تتبدل والزَّمن يجري منكوساً على رأسه بمنطقتنا، كانت جامعة القاهرة، وهي حسب أبو زيد "مؤسسة صناعة العقل"، تدافع في العشرينيات عن أساتذتها، فلما وصلها قرار فصل طه حسين (ت 1973)، بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"(1925)، قدم رئيس الجامعة آنذاك استقالته دفاعاً عن حرم الجامعة، لكن بعد سبعة عقود تنقلب الصورة لتكون الجامعة هي الطاردة! ولما تظاهر طلبة أبو زيد أمام مجمع المحكمة، التي فصلت في أمر طلاق زوجته الإجباري، وهتفوا: "إحنا الفِكرة والتَّنوير وهمهَ المطوه والجنزير"! صحفتها إحدى صحف الإسلام السياسي، لتُكفر الطلبة: "إحنا الفكر والتنوير وهمهَ والوحي والتَّنزيل"(القول المفيد في قضية أبو زيد)!
لم يصل أبو زيد إلى ما قولت به تلك الجريدة الطلبة، بل كلُّ دراساته وبحوثه هي داخل حدود ما أنزله الوحي، ولم يضع نفسه مقابل الوحي والتَّنزيل إنما عارض قراءة النَّص وتفسيره، والأخير منتج بشري، لهذا غدا التَّفسير مدارسَ، وكلُّ فرقة ومذهب له تفسيره بل تفاسيره، والمعتزلة لم يخرجوا عن الدِّين بتفاسيرهم وكثرة تأويلاتهم، وكذلك المتصوفة، وهذا ما قرأه نصر حامد أبو زيد في "هكذا تكلم ابن عربي".
كانت الأجواء التي سبقت قضية أبو زيد ملبدةً، فعندما جرت المناظرة بين فرج فودة (اغتيل 1992) ووجوه من الإسلام السياسي، اثنين من "الإخوان"، أَحسب أن فتوى ضمرت ضده، فعند محاكمة المتهمين بقتله قال أحد المناظرين، وقد أُحضر شاهداً: المرتد يُقتل، ولولي الأمر حق التنفيذ، وإذا تماهل فمن حق أي مسلم التنفيذ! هذا ما أرعب أبو زيد، فقضيته تعدت أمر عدم التَّرقية الأكاديمية إلى الرِّدة، ثم غدا مرتداً رسمياً، بقرار المحكمة (7 يناير 1994).
هنا ألم يقرأ علماء دين ومتبحرون في الفقه مسألة الرِّدة برأي مخالف، فمن يقرأ كتاب الشيخ العراقي الحنفي طه جابر العلواني "لا إكراه في الدِّين... إشكالية الرِّدة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم"، ثم يتأمل ما صرح به الشيخ المصري جمال البنا، سيجد أن ما أُتخذ ضد أبو زيد، وما مورس ضد فرج فودة، ونجيب محفوظ (توفى 2006) بعد أن نجا من محاولة قتل، وغيرهم العديد من حملة الفكر ورعاة الأدب، ليس من الدِّين، إنما اجتهاد، وهذا ما تصدى لدراسته وتحليله نصر أبو زيد.
أجاب أبو زيد زوجته، وهي لم ترَ الحراسة التي وعدتهما بها الشَّرطة: "الحارس هو الله"! فكيف يكون المحتمي بالله عدوه! لكن على حد هاجس بصير المَعرة: "طموحُ السَّيفِ لا يَخشى إلهـاً.. ولا يَرجو القيامَة والمعادا" (سقط الزَّند). إنه الإرهاب الذي تحول بسرعة فائقة من إصدار أحكام الرِّدة إلى أحزمة ناسفة. (الاتحاد) رشيد الخيّون