أفغانستان وفلسطين.. حرب بلا نصر ومفاوضات بلا أمل

بقلم: عبدالعال الباقوري

لعل من أقسى القرارات على رئيس أية دولة صغيرة أو كبيرة هو قرار إقالة أو تنحية القائد العسكري وهو في الميدان. أي يقود الحرب الفعلية، خاصة إذا كانت إدارة الحرب متعثرة. وإذا كان الرئيس نفسه قد أحاط هذا القائد العسكري عند تعيينه بهالة كبيرة، أملا في أن يحقق نصرا ربما يكون نصر الانتصارات! ومن المؤكد أن هذه كانت حال الرئيس الأميركي باراك أوباما عند اتخاذ قراره بإقالة الجنرال ستانلي ماكريستال من قيادة القوات الأميركية والأطلنطية في أفغانستان.. ومما زاد الأمر تعقيدا أن أوباما «اضطر» إلى اتخاذ قرار الإقالة وهو يواجه مشكلات داخلية وخارجية حادة مثل تسرب النفط في خليج المكسيك، وبقايا الأزمة الاقتصادية بكل تأثيراتها على العلاقات مع أوثق حلفاء أميركا في أوروبا.
ولذلك، فإنه من التبسيط ربط قرار إقالة ماكريستال بتصريحاته التي نشرت في مجلة «رولينغ ستون» والتي يسخر فيها من كبار رجال أوباما وربما أوباما نفسه، وهي تصريحات ليست جديدة. فهي ـ حسب المصادر الأميركية ـ أوصاف يرددها ماكريستال وأركان قيادته ضد رجال أوباما، منذ تولي مهمته في أفغانستان. فضلا عن أن ماكريستال أعلن اعتذاره عن هذه التصريحات قبل مثوله بين يدي الرئيس أوباما، الذي يرجح أنه وجد فيما نشرته المجلة المذكورة هدفا كان يبحث عنه، وذريعة لقرار كان ينتظر الوقت المناسب كي يثبت لنفسه ولآخرين أنه قادر على اتخاذ القرار الصعب في الأوقات الصعبة. والأوقات الصعبة هنا ليست تصريحات ماكريستال وسخرياته، بل هي الأوضاع في أفغانستان نفسها حيث يتعثر تطبيق الإستراتيجية التي وضعها ماكريستال نفسه. والتي بناء عليها دفع أوباما بالمزيد من القوات الأميركية إلى أرض المعركة، أملا في أن يكون هذا وسيلة لتحقيق نصر يسمح له بالوفاء بالوعد ببدء الانسحاب من أفغانستان في منتصف العام المقبل الانسحاب بعد تحقيق «نصر عسكري» مشهود ومعترف به من جانب الأفغان الذين حاربوا أميركا ومن جانب العالم كله. خاصة أن حرب أفغانستان أصبحت أطول حرب تخوضها أميركا خارج حدودها، فقد استمرت إلى الآن حوالي عشرة أعوام إلا قليلا. ولذلك فإن الأحداث في أفغانستان تتطور بسرعة لتشير إلى قبول أوباما ـ مع التحفظ ـ خطة باكستانية للتسوية في أفغانستان تضمن دخول «طالبان» أو أحد أجنحتها الموالي لباكستان في حكومة انتقالية. وتحفُّظ أوباما على الخطة ينصب على ألا تستمر العلاقة بين طالبان وتنظيم القاعدة.
وكل هذه التطورات، من إقالة ماكريستال وإحلال الجنرال ديفيد بتريوس مكانه. والاتجاه إلى قبول التفاوض بطريق أو بآخر مع طالبان بناء على خطة باكستان يطرح السؤال الذي طرحه ثلاثة محللين سياسيين كبار في عدد تموز/يوليو الحالي من المجلة الرصينة «فورين أفيرز» حول «هل يملك أوباما إستراتيجية للتفاوض مع طالبان». وجاء السؤال في إطار دراسة حول «تحديد معنى النجاح في أفغانستان». ومن المؤكد أن المقال والعدد نفسه قد ظهرا قبل إقالة ماكريستال مما يقطع بأن الحرب في أفغانستان أصحبت هما أميركا خوفا من الوصول إلى فشل وفشل كبير. وطالب المحللون الثلاثة أوباما بأن يحدد بوضوح هدفه أو غايته من هذه الحرب، وإلا فإنه «دون التحديد الواضح للنتائج التي يمكن قبولها ستفقد الحملة العسكرية الأميركية ـ الأطلنطية الاتجاه» فقد أصبح محتملا في رأي كثير من الأميركيين أن تحقيق نتيجة ثابتة ومقبولة في أفغانستان أمر بات موضع شك. والواضح أن هذا الشك تولد منذ انساق أوباما وراء تصعيد الحرب في أفغانستان وباكستان وكذلك في الصومال واليمن، بالإضافة إلى استمرار الحرب في العراق بدرجة أو بأخرى. وكان هذا تراجعا عن وعود قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، على الرغم من أنه رأى الحرب في أفغانستان «حرب ضرورة».
ويعيد هذا مرة أخرى فتح ملف تصريحات وبيانات وخطب الرئيس أوباما، علما بأن التصريحات مهما كانت صادقة وصريحة لا تعني تحديد سياسة معينة أو ثابتة لأية دولة أو لأي زعيم.
ولعل كثيرين تساءلوا ويتساءلون أين خطاب جامعة القاهرة الذي ألقاه قبل أكثر من عام؟ لقد كان هذا الخطاب في رأي كثيرين قناعا من سكر أو هو السم في العسل، بأمل أن يكون وسيلة للحد من الخسائر الأميركية على المستوى الدولي، بعد أن تزايدت بقدر كبير في السنتين الأخيرتين من حكم جورج بوش الابن. صحيح أن أوباما تخلى عن مفهومين أساسيين في سياسة بوش وهما الحرب الاستباقية والحرب ضد الإرهاب. كما تجلى هذا في إستراتيجيته للأمن القومي التي طرحها في أواخر أيار/مايو الماضي، إلا أنه حافظ في الواقع العملي على «الوضع الراهن» الذي ورثه عن سلفه. وفي سبيل ذلك تخلى عن وعود سابقة من أهمها الوعد بالانسحاب «الفوري» من العراق، ولدرجة أن إستراتيجيته للأمن القومي رددت من جديد مصطلح «الشرق الأوسط الكبير» الذي يضم إيران وأفغانستان وباكستان إلى العراق وفلسطين ودول أخرى. وفي الربط بين هذه الدول ومشكلاتها، أسقط أوباما نصائح وجهها له عدد من السياسيين الأميركيين الكبار وعدد من اللجان المهمة حيث أوصوا بأن قضية فلسطين «حلقة مركزية» في مشكلات المنطقة، وستؤثر تسويتها بشكل إيجابي على المصالح الأميركية في بقية دول الإقليم. وبناء على هذا، ربما جاء حديث أوباما في وقت سابق عن أن السلام الإسرائيلي ـ العربي مصلحة أميركية. ولكنه لم يحقق هذا السلام. مما يدل على خلل في التنفيذ قد يعني أنه يفرط فيما يراه مصلحة لبلاده. لماذا؟ لماذا يغفل أو يتغافل عما يراه مصلحة أميركية ولحساب من؟ هل يعني هذا أننا أمام رئيس أميركي يقول كلاما لا يطبقه ويطرح أفكارا لا ينفذها ويصوغ مبادئ لا يعمل بها. لقد خلق هذا السلوك من جانب أوباما ارتباكا لدى رؤساء وزعماء الدول الذين يتعاملون معه بل وفي صفوف العاملين معه. ولعل الحديث عن احتمال استقالة رام عمانويل كبير موظفي البيت الأبيض تعبير عن هذا الارتباك وهذه استقالة إذا حدثت ستعني الكثير، خاصة وأن عمانويل شخصية مثيرة لتساؤلات كثيرة.
نحن العرب يجب أن نكون من أكثر المهتمين بها كما يجب أن نكون من أكثر المعنيين بمعرفة شخصيته وحقيقة أكبر الأميركيين نفوذا وتأثيرا في الإدارة والكونغرس والدفاع والمخابرات وجماعات الضغط وكل من له أدنى تأثير في صنع السياسة الخارجية الأميركية. هل نفعل؟ فإن لم نكن نفعل فمتى؟ والتعثر الذي واجهته سياسة أوباما في أفغانستان تواجهه أيضا في فلسطين. وعلى مدى حوالي 18 شهرا منذ دخوله البيت الأبيض لم يحقق خطوة عملية واحدة إلى الأمام على درب التسوية التي وعد بها. بل تراجع ـ كما سبق القول ـ عن وعود قطعها هو نفسه. وقد برر تراجعه هذا باعتراف ذكر فيه أن تسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أمر صعب، ولو أنه توقع منذ البداية ولو جزءا من المشكلات التي يبديها الجانبان «ما كنا لنرفع سقف التوقعات إلى هذا الحد»!. تبرير أسوأ من التراجع. أو عذر أقبح من الذنب. إن شئت. والجديد في سلسلة هذه التراجعات ذكرته صحيفة إسرائيلية من أن أوباما في لقائه قبل حوالي ثلاثة أسابيع مع السيد محمود عباس «أبو مازن» رئيس السلطة الفلسطينية طلب منه أن يلتقي مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي. وجرى الحديث عن الانتقال من المفاوضات غير المباشرة الجارية أو المتلكئة حاليا إلى المفاوضات المباشرة وهذا مطلب إسرائيلي أساسا وهناك مؤشرات إلى احتمال حدوث هذا. وهو احتمال خطير. لأنه يمنح الكيان الصهيوني مرة أخرى فرصة زمنية ثمينة يستفيد منها في توسيع المستوطنات وزيادة المستوطنين وهذه أمور تجري على قدم وساق ـ كما يقولون ـ ومن دلائل هذا ما يلي:
• استئناف الاستيطان في غور الأردن قبل الاجتماع الذي كان مقررا في البيت الأبيض بين أوباما ونتنياهو في أوائل حزيران/يونيو الماضي والذي تأجل بعد وقوع العدوان الإسرائيلي على قافلة الحرية في البحر المتوسط.
• الإعلان عن إقامة 1600 وحدة سكنية في القدس.
• قرار اللجنة المركزية لحزب «الليكود» ـ حزب نتنياهو ـ باستئناف الاستيطان في الضفة الغربية بعد أيلول/سبتمبر المقبل (علما بأن الاستيطان لم يتوقف بشكل شامل).
• الإعلان عن بناء حديقة فرمي سلوان في القدس الشرقية بعد هدم 22 مسكنا عربيا.
• إعداد لجنة إسرائيلية خاصة مخططا متكاملا لمدينة القدس وهو الأول من نوعه منذ احتلال المدينة في حزيران/يونيو 1967، ويتضمن توسيع «أحياء يهودية» في القدس الشرقية المحتلة.
ومع هذا يجري الحديث عن مفاوضات مباشرة ولقاء في خلال الشهر الجاري بين أبو مازن ونتنياهو، بناء على مهمة عاجلة قام بها السيناتور جون كيري رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي. ويصب كل هذا في إطار مفاوضات الوقت الضائع التي لو استمرت مائة سنة على المنوال نفسه الذي تدور به لما حققت خطوة حقيقية إلى الأمام في درب التسوية.
والشهور الستة المقبلة ستشهد أدلة جديدة على ذلك. فبعد أيام يلتقي أوباما مع نتنياهو وهو لقاء تم تأجيله اضطرارا.
من المقرر أن يلتقي أبو مازن مع المبعوث الأميركي جورج ميتشيل الذي يزمع القيام بإجازة طوال آب/أغسطس المقبل. وحين يعود منها سيكون أمام مهلة المفاوضات غير المباشرة شهر واحد فماذا سيحدث. والمحطة الأخرى. وهي شهر أيلول/سبتمبر نهاية المهلة التي أعلنتها إسرائيل لوقف الاستيطان (بشكل غير شامل) في الضفة الفلسطينية، ثم هناك مسألة رفع الحصار الشامل عن غزة.
وعلى الجبهة الأفغانية. من المقرر إعادة النظر في كانون الأول/ديسمبر المقبل في الإستراتيجية التي يجري تطبيقها. فهل يمكن أن تؤدي هذه المراجعة إلى تأجيل قرار الانسحاب المقرر أن يبدأ في مثل هذا الشهر من العام المقبل؟ يبدو أن هذا هو الاحتمال الأرجح إلا إذا تجاوب أوباما مع مطالب الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي وعجَّل بالانسحاب الذي تكون الخطة الباكستانية غطاء له، ولكنه غطاء لن يستر فشلا أميركيا ستكون له نتائج كبيرة. ولكن هذه المراجعة تسبقها خطوة أميركية مهمة، وهي انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس وستكون نتائجها ذات تأثير على خطوات أوباما المقبلة سواء في فلسطين أو أفغانستان أو العراق، وحتى في الصومال واليمن، وهذه معارك تؤثر في بنيان الإمبراطورية الأميركية التي ثبت أنها لا تستطيع خوض حربين كبيرتين في وقت واحد.
والسؤال هنا: هل «الخروج» الأميركي من أفغانستان سيكون له تأثير في فلسطين؟ وفي أي اتجاه؟ عبدالعال الباقوري