فلاسفة جدد يبشرون بإسلام لم يخلقه الله بعد!

بقلم: محمد الشيوخ

على خلفية بعض الفعاليات التي حدثت في محافظة القطيف مؤخرا، من بينها محاضرة الداعية السلفي الشيخ سعد البريك التي ألقيت في صالة الملك عبد الله، برزت عدة طروحات فلسفية ومقولات فكرية أثارت جدلا في الساحة المحلية من بينها: ان القضية الأساسية والمحورية التي ينبغي ان تشغل بال الناشطين الشيعة في المملكة هي الإسلام، في حين ان الدعوة إلى التعايش والوحدة الوطنية والحوار بين المختلفين كسبيل لتجسير العلاقة وحل المشكلات البينية ووضع حدا للتوترات المذهبية والمشاحنات الطائفية لا تعدو، بحسب رأيهم، أكثر من قضايا ثانوية وهامشية، مضيفين انه لا ينبغي للناشطين التركيز على تلك المفاهيم في مقابل إهمالهم القضية الأساس.
ذكرني هذا الطرح بنكتة طريفة، يقول صاحبها ان شخصا مفتول العضلات ذهب لواشم ليرسم على زنده أسدا، فهم الواشم بالرسم فتألم "الأبضاي" من شدة الوخز، فقال للواشم ماذا تصنع؟ أجابه الواشم: ارسم الذيل. فقال له: يا هذا دع عنك ذلك، أريد منك ان ترسم لي أسدا بدون ذيل وبلا آذان وبدون أطراف! قال له الواشم: ان الأسد الذي تريده لم يخلقه الله بعد.
وعطفا على تلك الطرفة، نود القول: بان الإسلام الذي مفاهيمه بالضد من الوحدة والتعايش والحوار، هو مثل أسد الأبضاي الذي لم يخلقه الله بعد!.هذا أولا، وثانيا، ان هذا الطرح يناقض بعضه بعضا ولا يخلوا من التدليس والتسطيح، كما لا يعدوا أكثر من "دغدغة" لمشاعر البسطاء من الناس واللعب بعواطف آخرين. وهو، بالمناسبة، طرح لا وزن له في قاموس المصلحين، علاوة على ذلك كله، لا أظن ان هذا الطرح يتناسب مع أي مصلح متنور، يقيم وزنا لكلامه ويحترم طروحاته ويعتد بآرائه أيضا.
ومن لديه أدنى معرفة بمبادئ الاجتماع والسياسة، ومن بينها، بطبيعة الحال، أدنى إطلاع وتفسير موضوعي ومنصف للمساعي والجهود الوطنية التي يقوم بها النشطاء الشيعة في المملكة، يرفض مثل هذا الطرح ويضرب به عرض الحائط، كما ان متبنيه، بالضرورة، لا يفقه مدلولات وغايات تلك المفاهيم الوطنية التي قلل من شأنها البعض وسخر منها قوم آخرون.
أن كل مراقب يقف على مقولات من هذا النوع، سيتبادر إلى ذهنه وللوهلة الأولى، بان أصاحب ذلك المنطق، مضافا إلى إنهم بالضد من الجهود والمساعي المنصرفة لتعزيز الوحدة والتعايش والحوار، هم أصاحب نزعة تحريض وتفتيت وتعبئة أيضا. وهذا مالا يتناسب، أخلاقيا ودينيا واجتماعيا ووطنيا وسياسيا، مع مصلحين لازالوا حديثي عهد بالإصلاح الاجتماعي. هذا فضلا عن مصلحين لهم باع طويل في النضال ومعركة الإصلاح الشاملة.
من خلال تلك الطروحات التي تدور حول تجسيد الوحدة كمشروع، بدا واضحا ان مطلب تحقيقها أو السعي إلى تجسيدها، لدى بعض الفلاسفة الجدد، ما هو إلا مجرد حزمة من الأماني أو جملة من الشعارات التي لا واقع لها على الأرض، أما على صعيد المفاهيم والتطلعات، فان الوحدة كمفهوم، لازالت على هامش المفاهيم، بل في ذيل الاهتمامات والتطلعات، في حين ان الوحدة كمشروع وتطلع، لدى كافة المصلحين وفي مختلف الأقطار، تعتبر من الأولويات الدينية ومن الضرورات الاجتماعية والسياسية والوطنية.
في هذا السياق، نود التنويه إلى ان السعي لتحقيق مثل هذه الأمنيات والتطلعات لا يتعارض مع ما تم وصفه من قبل البعض"بالقضية الأساس"، بل ان العمل على تجسيدها على الأرض، هو التطبيق الفعلي لمفاهيم وغايات الأديان السماوية كلها، وليس الدين الإسلامي وحده فحسب، كما ان تلك الأمنيات كانت ولازالت وستبقى، حلم كافة المناضلين والمصلحين في كل بلد يتهدده شبح الخصومة والتنافر والتشنج والتعبئة المتبادلة والاحتقان الطائفي.
يضاف إلى ذلك كله، هي آمال أساسية وهامة ينبغي ان تترجم إلى مبادرات ومشاريع عمل لدى كل مواطن يستشعر خطر تلك التحديات المحدقة بوطنه ومجتمعه، ويتطلع إلى الكرامة والعدالة والأمن والاستقرار. وفي تقديرنا لو ان المتمسكين بتلك المقولات السابقة، استحضروا أو وقفوا على بعض التجارب المجاورة، ومن بينها تجربتي الشيعة في العراق ولبنان، ولاحظوا سعيهم الحثيث في هذا السياق، مع إنهم في وضع أفضل من وضع الشيعة في المملكة، لما احتاجوا إلى كل تلك الطروحات المتناقضة والبيانات الفارغة ووفروا على أنفسهم وعلى غيرهم عناء تكرار الإيضاحات التي لم تقدم ولم تأخر.
بحسب المنطق، الأشبه بالخطابات الفلسفية، هل يمكننا القول: بان التكافل الاجتماعي والتصدق على الفقراء والإحسان إلى الناس، مقابل الدين مثلا، هي أمور هامشية وثانوية؟ وما قيمة كلام القائل، بان الكعبة المشرفة مع عظمتها ومكانتها، في قبالة المؤمن، هي أمر ثانوي، مع ان النصوص الدينية تعتبر المؤمن اشرف واعز عند الله من الكعبة؟ والأمر الثالث، هل ان كل أمر ثانوي، بحسب تصنيف البعض للقضايا والأمور، ليس مهما في الإسلام وفي الاجتماع والسياسة وبالتالي لا ينبغي السعي إليه والاهتمام به؟ والأمر الرابع، ما المقصود بان الإسلام هو قضيتنا الأساس؟هل يعني ان الدين لا يعير أي اهتمام للمفاهيم الاجتماعية والوطنية والإنسانية لأنها مفاهيم ثانوية؟ وهل ان خدمة الدين مختزلة فقط في الاهتمام بالفقه والأصول والفلسفة وإصدار البيانات والشجب والاستنكارات؟ والأمر الأخير، هل أطلع المنزعجون على إبعاد وطبيعة النقاشات التي يقوموا بها النشطاء الشيعة مع السلفيين بشقيهم المعتدل والمتطرف وغيرهم من فرقاء الوطن، حتى يطلقوا أحكاما جزافا ويضعوا افتراضات واشتراطات ما انزل الله بها من سلطان!
شخصيا لم اطلع ولم اسمع بعد عن دين من الأديان السماوية تتعارض مقاصده وغاياته مع دعوات التعايش والحوار والسلم الأهلي، ولأول مرة ألحظ مقولات لمصلحين ينشدون الحوار مع الآخر، وليسوا بالضد من مبدأ التعايش والحوار الوطني والوحدة الوطنية، وفي نفس الوقت يعتبرونها قضايا ثانوية وهامشية، مضافا إلى ذلك، يطالبون أبناء مجتمعهم بالاشتغال بشعارات فضفاضة وهلامية وغير قابلة تطبيقاتها وآلياتها للقياس إلا بحسب معاييرهم ومقاييسهم الذهنية الضيقة.
والانكى من ذلك كله، ان هؤلاء "الفلاسفة الجدد" يعملون على تضليل الرأي العام وإيهام الناس، بوجود تعارض وتضاد بين الدين ومفاهيمه ومبادئه الإنسانية ومقاصده الوطنية والاجتماعية، مضافا إلى ذلك أن هؤلاء، بحسب ظننا، عاجزون عن إيضاح وحصر تلك الآليات التي من خلالها تتم خدمة القضايا الأساسية والمحورية، بحسب تصنيفاتهم وتقسيماتهم.
على إي حال، ما نود قوله هنا وباختصار، هو ان آليات خدمة الدين ليست محصورة في حدود المجالات والتطلعات المرسومة في أذهاننا فحسب، وبالتالي كل عمل وطريقة لا تتناسب مع طريقتنا ورؤيتنا، هي بالضرورة لا صلة لها بالدين والتشيع أو بالضد منهما.
ما ينبغي إدراكه ان وسائل وسبل خدمة الإسلام أرحب من خيالاتنا المحدودة، وأوسع من حدود تطلعاتنا الضيقة بكثير، كما ان الدين الذي لا يسعى إتباعه إلى ترجمته على الأرض ليتحول إلى خارطة طريق ومنهج حياة وأسلوب حوار وتعايش مع الآخرين لإرساء دعائم الأمن والاستقرار والمحبة والتعاون والتآلف بين بني البشر عامة والمواطنين على وجه التحديد، إذا لم يتحول إلى ذلك كله، فهو دين لم ينزله الله بعد.
وفي ذات السياق، وبحسب العديد من القرائن الواردة في مقولات البعض، يظهر ان عتبهم على الناشطين الشيعة، لم يكن محصورا في بعض الضوابط الفنية والتكتيكية، وإنما كان، مع شديد الأسف، موجها لمجمل مساعيهم الوطنية المنصرفة نحو تعزيز التعايش. مع أن ذلك أمرا ليس مستغربا بالنسبة لي على الأقل!. ربما ابرز هذه القرائن، هي دعوتهم للناشطين بالانشغال بالقضية الأساس والهدف الأول(الإسلام)، وتهكمهم على أدوارهم تلك، بل وتوجيه اللوم والعتب الشديد لهم!. ولو سلمنا جدلا، بأن هؤلاء ليسوا بالضد من اصل المساعي الوطنية تلك، وإنما نقدهم كان موجها لبعض الأخطاء الفنية الصادرة من هنا وهناك وليس لمجمل المساعي أو الشخوص، فما هو المبرر الذي يدفع بهؤلاء لمعالجة ذلك القصور، ان وجد، وبالطريقة التهكمية التي بدت في بعض خطاباتهم وبياناتهم ومقولاتهم؟!
مع شديد الأسف، واحد من ابرز وأكبر المآخذ على طروحاتهم ومقالاتهم، أنها نحت باتجاه تزوير الوقائع وقلب الحقائق، فعلا سبيل المثال تم تصوير زيارة الشيخ البريك المعدة سلفا لمجلس الشيخ الصفار، والذي كان مكتظا بنخبة من العلماء والمفكرين والناشطين، وكأنها حفل تكريم للبريك ومكافئة له على ما قاله في صالة الملك عبد الله، في حين أن الأمر مختلف تماما، وكل من شارك في ذلك اللقاء يستهجن لعبة التزوير والتدليس تلك. هذا النوع من العمل، أظنه خارج سياق المنافسة الشريفة، ولا يمت للدين والأخلاق بصلة.
ولو أدرك هؤلاء أهمية وقيمة مساعي النشطاء الوطنية والاجتماعية والسياسية، الهادفة إلى نشر ثقافة التعايش والسلام المقابلة لثقافة التحريض والكراهية والتعبئة والعنف، وتعزيز مبدأ الحوار كوسيلة فعالة لحل المشكلات العالقة ونزع فتيل التوتر والاحتقان الطائفي، وإرساء خيار المواطنة والسعي لتجسيد مفاهيم الوحدة الوطنية على الأرض، لو كانوا يدركون كل ذلك، لما استخفوا بتلك الجهود أو قللوا من قيمتها.
ختاما، نرى من الأهمية بمكان، أن ينفتح كافة المهتمين بالشأن العام في المجتمع المحلي، على المساعي الوطنية التي يقودها النشطاء الشيعة في المملكة، ليقفوا على إبعادها وغاياتها، كما نأمل ان لا يخرج علينا فلاسفة آخرون يبشروننا ثانية بدين تتناقض وتتصادم غاياته وتطبيقاته وتشريعاته بمقاصده.
محمد الشيوخ
باحث سعودي m_shayook@hotmail.com