رسالة رد مفتوحة إلى السيد بان كي مون سكرتير عام الأمم المتحدة

بقلم: مصطفى الفيتوري

في نهاية شهر مايو كتب السيد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة بحماسة كبيرة في صحيفة "أحداث الأمم المتحدة" الإلكترونية محيياً اجتماع كمبالا المنعقد لإعادة دراسة وتقييم ميثاق روما المنجز عام 1998 والذي تأسست بموجبه محكمة الجنايات الدولية، وكان اجتماع كمبالا الذي استمر أحد عشر يوماً يأمل أن يحقق نوعاً من التسوية بين الشعوب التي صادقت على ميثاق روما - وبالتالي انضمت إلى المحكمة - وتلك التي تعارضه.
المستغرب في الأمر هو موقف السيد بان كي مون.
كأمين عام للأمم المتحدة كان يفترض بالسيد كي مون أن يكون محايداً ونزيهاً وفوق المصالح السياسية، وأن يقف على مسافة واحدة من الأطراف كافةً عندما يقدّم رأيه ونصيحته حول المواضيع المثيرة للجدل والتي على رأسها طبعاً محكمة الجنايات الدولية. إلا أن السيد الأمين العام للأمم المتحدة اختار أن يتحدث عن "بزوغ عصر المحاسبة" وعن العدالة الدولية للجميع مشيراً إلى القضايا التي تحقق فيها المحكمة الآن على أنها انتصار للعدالة بل إنه ذهب إلى أكثر من ذلك بموافقته على التركيبة الحالية للمحكمة على أنها أداة "فعالة" على حدِّ قوله لخدمة العدالة، مشيراً إلى أنه وكأمين عام قد رأى عن قرب فعالية تلك المحكمة.
إن هذا الخطاب من قِبل أعلى رجل في هرم الأمم المتحدة يدعو إلى التساؤل: ما إذا كانت محكمة الجنايات الدولية حقاً قد لاحقت الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والعدوان والجور التي تم ارتكابها منذ أن تأسست المحكمة العتيدة؟ وهو ما يفترض أن يكون ضمن صلاحيات الهيئة الدولية المثيرة للجدل تلك.
منذ أن تم توقيع ميثاق روما، ومنذ توليه منصبه كأمين عام، فقد كان السيد بان كي مون شاهداً على أكثر الصراعات دموية، وجرائم الإبادة التي تعرضت لها بعض الشعوب الصغيرة والمدنيون المقهورون على الأقل في موقعين لا يزالان ساخنين هما العراق وفلسطين؛ في يناير عام 2009 قام السيد بان كي مون نفسه بزيارة الدمار الذي آلت إليه مباني الأنروا التابعة للأمم المتحدة نتيجة قصف متعمّد من قِبل القوات الإسرائيلية ضمن المجازر التي ارتكبتها في غزة عام 2009 قضى فيه عدد من الأطفال والمدنيين، وكان السيد "مون" يومها غاضباً بشكل ظاهر، ونٌقل عنه قوله "إنني منزعج وعاجز عن وصف مشاعري وأنا أرى قصف مباني الأمم المتحدة ... إن هذا هجومٌ مثيرٌ للغضب ومرفوض كلياً". وتم لاحقاً تعزيز مشاعر الغضب لدى السيد الأمين العام عبر تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي تم تكليفها بالنظر في الأمر برئاسة القاضي الجنوب إفريقي السيد ريتشارد غولدستون. ومع ذلك فإن تحقيقاً رسمياً لم يجرِ في تلك المجزرة حتى الآن ولا في غيرها من مجازر الإسرائيليين ضد الفلسطينيين كمجزرة مدرسة الفاخورة التي راح ضحيتها أكثر من 40 شخصاً، ولا يبدو أن ذلك سيحدث.
وفي نفس اليوم الذي افتتح فيه مؤتمر كمبالا الآنف الذكر شن الجيش الإسرائيلي هجوماً دموياً على عدد من السفن المدنية المتجهة إلى غزة وفي عمق المياه الدولية ما أدى إلى مقتل عشرة مدنيين دون أن يرفّ له جفن. وفي عام 2003 وبعد مضي عامٍ واحدٍ على دخول ميثاق روما حيز التنفيذ تم غزو واحتلال العراق، وهو أحد الأعضاء المؤسسين للأمم المتحدة، ولم يكن للاحتلال ولا للغزو أية شرعية أو مبرر قانوني، ومع ذلك فإن السيد بان كي مون اختار أن يحتفي ويثني على التقدم الذي حققته محكمة الجنايات الدولية من قبيل إصدار مذكرة اعتقال ضد الرئيس السوداني عمر البشير وعدد من القادة السابقين لبعض الفصائل المختلفة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
إن المتابع ليتساءل إن كان السيد بان كي مون يقف إلى جانب العدالة لأعضاء الأمم المتحدة كافةً كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، قويها وضعيفها، وكيف لا يتحدث السيد مون عن الجرائم التي تم ارتكابها في العراق وفلسطين على سبيل المثال، وهي تقع تماماً في إطار عمل محكمة الجنايات الدولية كونها وقعت بعد تأسيسها وصدور قانونها التأسيسي؟
هل يعتقد السيد الأمين العام حقاً أن العدالة الدولية ستتحقق عبر محاكمة قادة الدول الضعيفة والفقيرة والصغيرة، في حين يفلت القادة السابقون للولايات المتحدة والمملكة المتحدة من العقاب؟
هل يعتقد الأمين العام حقاً أننا "نشهد بزوغ عصر جديد للمحاسبة" كما قال (مخطئاً) في مقالته تلك المنشور في 31 من شهر مايو الفائت، إن العالم لربما يشهد بزوغ شيء ما، إلا أننا نعتقد أنه ميلاد المحاسبة الانتقائية حيث تتم ملاحقة أناس من قبيل رئيس السودان عمر البشير، في حين تتم تحية آخرين من قبيل جورج بوش، وتوني بلير، ونصف دستة من القادة الإسرائيليين على أنهم مقاتلون في سبيل الحرية ومحررون وصناع سلام على التوالي؟ لماذا لا تنظر محكمة الجنايات الدولية في آخر أعمال قتل المدنيين التي ارتكبها الجيش الإٌسرائيلي في عرض المياه الدولية؛ وهي قرصنة في وضح النهار، وتقع تحت طائلة القانون الدولي.
إنه لمحبطٌ وفشلٌ ذريع للسيد الأمين العام للمنظمة الدولية في أن ينحاز إلى جانب العدالة الانتقائية، إن تأييده القوي لمحكمة الجنايات الدولية في وضعها الحالي يستحضر إلى الذاكرة فكرةً سمجةً أخرى ألا وهي فكرة "حق الحماية"، والتي تعطي الدول المسماة "ديمقراطية "حق التدخل العسكري إن رأت ذلك في الحروب الأهلية وبؤر الصراع دون أي تفويض من الأمم المتحدة، ودون أي غطاء قانوني.
هل يعتقد السيد كي مون حقاً أن العدالة الدولية ستتحقق بشكل أفضل إن تم التحقيق في عدد من القضايا الموصوفة بأنها جرائم ضد الإنسانية في حين يتم غض الطرف عن غيرها، أم تراه يعبّر عن وُجهة نظر الأمم القوية دون أي اعتبار للأمم الصغيرة التي تشكل أغلبية أعضاء منظمة الأمم المتحدة؟
إن موقع السيد بان كي مون كأمين عام للأمم المتحدة يفرض عليه أن يكون محايداً، لا بل مثلاً يٌحتذى لأولئك الذين يطلبون العدالة الدولية الحقيقة، وليس إدارة سطحية للصراعات الصغيرة عبر ما يٌسمى بـ"المحاكم الخاصة" كالتي رأيناها في رواندا والعراق، والتي سنراها في دول عالمثالثية أخرى.
إنه لمن العار أن نرى قائداً عالمياً من قبيل الأمين العام للأمم المتحدة ينضم إلى جوقة المؤيدين لمعاقبة الضعاف وحماية الأقوياء؛ مما يؤدي إلى تأكل ما تبقّى من مصداقية المنظمة الدولية المشروخة أصلاً.
إن الشعوب الصغيرة والفقيرة والضعيفة، وملايين المحرومين ينظرون إلى الأمم المتحدة، ويتوقعون مقاربةً متزنةً لمعاناتهم وليس تهديداً لهم وأعمالاً غير قانونية رأوا بأنفسهم الأمم المتحدة وهي تغض الطرف عنها على مدى العقدين الأخيرين حتى لا نقول أكثر. مصطفى الفيتوري
كاتب ومحلل سياسي ليبي وحاصل على جائزة سمير قصير لعام 2010