أهلاً بمأساة صغيرة فقط!

بقلم: محمد كركوتي

"الرأسمالية هي ما يقوم به الناس، شرط أن تتركهم وشأنهم"
المُنظِر السياسي الأسترالي كينيث مينوغ

نادراً ما تتفق آراء الأكاديميين مع أولئك العاملين في الساحة. وغالباً ما يتلقى الأكاديميون اتهامات من الذين يقودون الحراك – أي حراك- بأنهم ليسوا سوى منظرين، لا يفهمون ما يجري على أرض الواقع، وإن كان هناك منهم من يفهمه، فإنه يقدم النظرية على التطبيق أو الممارسة.. وهذا أمر مكانه الدراسات والبحوث فقط. وقادة الحراك ومن يواكبونهم، لا يرغبون عادة في سماع أصوات لا تتناغم مع "معزوفاتهم"، ويسعون بكل أدواتهم إلى "تسويق" -"منتجهم" الوهمي- بأنهم يملكون الحقيقة والقدرة على المواصلة. كيف لا؟ وهم في قلب الميدان، وفي خضم عَراكه. ويحاول "الحَراكون" – إن جاز التعبير- أن يُصبغوا ما يقوله الأكاديميون والباحثون، بصبغة "الرومانسية العلمية"، التي لا تنفع إلا في ندوة أو ملتقى أو محاضرة. فما هو موجود على الأرض، ليس له بالضرورة أن يتناغم مع ما هو مطروح نظرياً. وفي المقابل يرى أصحاب النظريات والرؤى، أن الحراك الذي لا يستند على رؤية مجردة، لا ينتج سوى الأزمات والانتكاسات، وفي أحسن الأحوال، لا يستمر إلا بعدد كبير من الثغرات، التي تشكل وصفة جاهزة للمصائب.
قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كان قادة الحراك الاقتصادي - الذين أحب أن أصفهم بـ "المُلهمين الاقتصاديين" - ومعهم عدد هائل من "المُلهمين السياسيين"، يعملون، وفي الوقت نفسه، يقومون بتكميم أفواه كل من يحاول أن يحذر من الفوضى على الساحة الاقتصادية، ومن الانفلات الذي كان يعم الأسواق، ومن السياسات التي كانت تَمنح هذه الأسواق حصانة من الأخطاء، بل وتلفها بقدسية، كفَروا كل من يشكك فيها. ولم يكتف "المُلهمون" بذلك، بل سخِروا من أولئك الذين يطالبون بوقفة لتقييم الأداء الاقتصادي العام، وحراك الأسواق، وتصحيح الخلل الذي استفحل إلى درجة التفكك. وما زلت أذكر، عندما وَصف "أبطال الأزمة" في العام 2006 البروفيسور نوريل روبيني الأستاذ في جامعة نيويورك في العام 2006 بـ "بروفيسور شؤم" ، بعد أن أطلق تحذيره في العام نفسه بأن أزمة مالية تتشكل، وذلك عندما أخبر الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بأن الولايات المتحدة ستواجه إفلاساً كبيراً في مجال العقارات، هو الأسوأ في تاريخها بالإضافة، إلى أزمة نفطية وركود عميق. "أبطال" الأزمة.. لم يكونوا مستعدين لسماع أي "نغمة" خارج نص المقامرة "الموسيقي". ولم يقبلوا أي رؤية لا تتوافق مع مخططاتهم، وتوقعاتهم لأداء الاقتصاد العالمي. لم يختلفوا كثيرا في "عمق" فكرهم، عن الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين، عندما أبلغه مساعدوه: إن بابا الفاتيكان يزداد قوة على الساحة العالمية. ماذا رد عليهم؟ قال: "كم يملك البابا من الدبابات"؟!. والذي كان لافتاً في الحملة التي قام بها "الأبطال"، ضد "المتشائمين"، انضمام بعض وسائل الإعلام الأميركية الرصينة إلى الجوقة، وفي مقدمتهم صحيفة نيويورك تايمز. لكن مع هبوب العاصفة، ووصولها ككارثة، سرعان ما تصالحت بعض هذه الجهات الإعلامية مع نفسها، واعترفت بخطئها.
بعد مرور عام ونصف العام تقريباً على اندلاع الأزمة، تخرج مجموعة من الأكاديميين والمفكرين والمراقبين، بجملة تحذيرات من مغبة وقوع أزمة جديدة، وليدة من أزمة الأمس. يحذرون من انكماش جديد، سيزيد من حجم الإعصار العالمي، ويجعل الآمال بنهاية للأزمة، مجرد أحلام تشبه "أحلام إبليس في الجنة". هذه المرة التزمت وسائل الإعلام الرصينة الصمت، وامتنعت عن نشر النعوت بحق هؤلاء، بل قامت بإبراز تحذيراتهم. فهي تعلم، أنها لو كررت خطأ الأمس، سوف تفقد توصيفها الرصين. وبول كروجمان ومعه جوزيف ستيغلتز الحائزان على جائزتي نوبل في الاقتصاد، من أبرز هؤلاء الذي كانوا يُوصفون بـ " المتشائمين" سابقاً. ماذا يقول كروجمان؟: "نحن نعيش ثالث أزمة مالية لها تداعيات عالمية بعد عامي 1873 و1929، وإذا استمرت الأمور كما هي على مستوى القرارات السياسية دون أن نشهد حصول انعطافة كاملة، فسنكون قد وضعنا أسس التعرض لأزمة جديدة". وفي السياق نفسه يقول ستيغلتز: "من المبكر جداً أن نقوم بوقف برامج الدعم – أو التحفيز - الاقتصادي، أو حتى خطط دعم المصارف. لم ننجح بعد في جعل الاقتصاد يقف على أسس صلبة، وإذا استمرت السياسات التي تهدد النظام المالي، فإننا أمام خطر حقيقي للوقوع في هوة موجة ثانية من الركود". ويتفق معها رئيس بنك التنمية الأوروبي السابق جاك أتالي، بأن العالم على شفير انكماش لم يشهده منذ قرن ونصف القرن!
إذن.. علينا أن نترقب ونقول: أهلاً بمأساة اقتصادية جديدة، على أن تكون صغيرة. فالمآسي الكبيرة لا تزال تلف العالم، وتلف معها ساكنيه. وإذا كان هذا العالم شهد في السابق كساداً طويلاً وآخر عظيماً، فكساد الأزمة الراهنة ليس أقل من رهيب. وعلى الرغم من أن هذه الحقائق تتراكم شيئاً فشيئاً على الساحة، إلا أن المسألة برمتها ليست محصورة فقط، بوقف عمليات التحفيز، ومخططات الإنقاذ، ولا تكمن في فداحة الديون الحكومية، التي أصبحت جزءاً أصيلاً من الحراك الاقتصادي لغالبية دول العالم، لاسيما الكبرى منها، ولا بعدد العاطلين عن العمل، ولا حتى بخفض الإنفاق على التسلح، كما يدعو ستيغلتز. إنها تتعلق أولاً وأخيراً، بمدى سرعة صانعي القرار العالمي، بالتخلص من النظام الاقتصادي الرأسمالي القديم. وهذا لا يعني اعتماد نظام اشتراكي مغاير لهذا النظام. فقد أثبت النظامان فشلهما في الاستدامة، وحتى في استمرارية الانتعاش والاستقرار الاقتصادي - الاجتماعي بحدوده الدنيا. والمريب أن الدول الكبرى لا تزال تعاند الواقع، بـ "القتال" من أجل الإبقاء على النظام الاقتصادي الرأسمالي. ويعزز التلكؤ في وعودها بإصلاح هذا النظام، تلك الحقيقة. فلا هي أَصلحت، ولا استبدلت! ولم تقدم سوى مُسكِنات، لا ترقى إلى مستوى اسمها.
لن تتوقف التهديدات بانتكاسة جديدة للاقتصاد العالمي، إذا ما ظلت الدول الكبرى تهرب إلى الأمام، تجنباً للوصول إلى المصير الحتمي للنظام الرأسمالي، الذي أفقدته الأزمة العالمية كل أدواته، وبدلت الكثير من المعايير التي كانت في السابق لا تُمس. ويقول البروفيسور الأميركي ريتشارد وولف: "إن هذه الأزمة لم تبدأ في الأسواق المالية ولن تنتهي هناك. وهي ليست كما قيل إنها بسبب هذا العامل أو ذاك، بل هي أزمة النظام نفسه، ما يعني أن الحل الوحيد هو إجراء تغيير كلي على بنية الاقتصاد". لا أحد من الكبار التقليديين، يريد الحديث عن هذا الموضوع، ولهذا السبب فإن قمم الدول الكبرى، بما في ذلك قمم مجموعة العشرين، ظلت تدور في نطاق حلول آنية، ولا بأس من خلافات آنية هنا وأخرى هناك، تضيف مزيداً من العقبات في طريق الوصول إلى مشاريع حلول، لكي لا نقول: حلول.
لا وقت الآن للتشاؤم أو التفاؤل أو توزيع النعوت والاتهامات، أو التضارب بين الأكاديميين ومُحركي السوق. بل لا وقت حتى للإصلاح. لقد كان أمام العالم في الأزمات السابقة العديد من الطرق للخلاص منها، إلا أن طرق الخلاص من الأزمة الراهنة، لا وجود لها. وما يحتاجه العالم في أزمته، نظاماً اقتصادياً جديداً، يستبدل النظام القائم، وينهي إلى الأبد عنجهية أولئك الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية، وفشلوا في إيقاف مصرف واحد، كان يعمل "البحر طحينة"!.

(نُشر في جريدة " الاقتصادية") محمد كركوتي m@karkouti.net