حقوق المخيمات الفلسطينية البائسة تضيع بين طوائف لبنان

بيروت
واقع خطير يتفاعل فيه الفقر والاهمال الحكومي

يستعد البرلمان اللبناني لنقاش جدي حول حقوق الفلسطينيين المقيمين في مخيمات بائسة، وهو موضوع جديد قديم يرتدي حساسية بالغة بسبب التوازن الديموغرافي الهش في البلد الصغير والدور الذي لعبه الوجود الفلسطيني المسلح في تاريخه الحديث.
ويفترض ان يناقش البرلمان الخميس اقتراحات قوانين تتناول حق العمل للاجئين الفلسطينيين وحق التملك والضمان الاجتماعي بالنسبة الى نهاية الخدمة وطوارئ العمل.
وكانت كتلة النائب الدرزي وليد جنبلاط احالت هذه الاقتراحات الشهر الماضي بصفة المعجل الى البرلمان الذي انقسم بين مسلمين مؤيدين لها ومسيحيين رافضين بغض النظر عن الاصطفافات السياسية.
ولعب الفلسطينيون دورا رئيسيا في اندلاع الحرب الاهلية (1975-1990) وكانوا يحاربون الى جانب المسلمين واليساريين في مواجهة المسيحيين.
ويخشى المسيحيون المنقسمون سياسيا بين فريقي الاكثرية والاقلية والموحدون في الموضوع الفلسطيني، من ان يؤدي اعطاء الحقوق للفلسطينيين الى استقرارهم في لبنان تمهيدا لتوطينهم، الامر الذي من شأنه ان يؤثر سلبا على التوازن الديموغرافي.
وتشير دراسات غير رسمية الى ان حوالي 64 بالمئة من سكان لبنان (اربعة ملايين تقريبا) مسلمون، في مقابل 35 في المئة من المسيحيين الذين يتضاءل عددهم بسبب الهجرة وانخفاض نسبة الولادات.
ويعارض المسيحيون خصوصا حق التملك.
ويقول النائب الماروني وعضو كتلة التيار الوطني الحر المتحالف مع حزب الله (اقلية) ابراهيم كنعان "عندما يتم تحويل لاجئ تدريجيا من منفي الى مقيم في بلد المنفى (...) نكون وصلنا الى منطقة رمادية"، مؤكدا ان "التوطين ليس مجرد بطاقة هوية".
وتكثفت الاتصالات خلال الاسابيع الاخيرة للحؤول دون تطور هذا الملف المتفجر الى انقسامات حادة.
وفي هذا الاطار، عقد نواب كتلة تيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة سعد الحريري اجتماعات مكثفة مع حلفائهم المسيحيين بهدف وضع صيغة اقتراح مقبول من الجميع يمنح الحقوق ويبعد شبح التوطين.
وفي ما يعكس استمرار التباينات، دعا رئيس الجمهورية السابق ورئيس حزب الكتائب المسيحي (اكثرية) امين الجميل اثر اجتماعه الاثنين مع رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة، الى "اتخاذ كل الاجراءات ضمن اطار منع توطين الفلسطينيين"، مع اقراره بضرورة "معالجة القضايا الانسانية الملحة".
وتخوف من "ضغط دولي على لبنان لمعالجة الموضوع تسهيلا لمشاريع سلام في المنطقة".
وتمنى السنيورة على رئيس المجلس النيابي نبيه بري ارجاء الاجتماع المقرر الخميس افساحا في المجال للمزيد من المشاورات.
وفي موازاة تحسين اوضاع الفلسطينيين، يتمسك المسيحيون بمطلب تمكين الدولة اللبنانية من ضبط مسالة سلاحهم.
واصدرت الكنيسة المارونية الاسبوع الماضي بيانا اعتبرت فيه ان "الحقوق تشترط في المقابل واجبات، لا سيما منها ضبط السلاح في المخيمات وخارجها مع بسط سلطة الدولة عليها".
ولا تدخل القوى الامنية اللبنانية المخيمات الفلسطينية الاثني عشر التي تمارس امنا ذاتيا.
وتقيم بعض الفصائل المؤيدة لسوريا قواعد عسكرية خارج المخيمات في البقاع (شرق) والناعمة (جنوب بيروت) اتخذت الحكومة اللبنانية قرارا بنزع سلاحها من دون ان تتمكن من تنفيذه بعد.
وفي غياب الحل الدائم للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي، تحذر المنظمات الدولية من واقع خطير يتفاعل فيه الفقر والاهمال الحكومي وغياب الافق، ليوفر ارضا خصبة للمتطرفين في مخيمات لبنان.
ويرى الناشط الحقوقي وعضو الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين سهيل الناطور ان "الخلاف الجوهري قائم بين اللبنانيين انفسهم، وليس بين اللبنانيين والفلسطينيين".
ويقول ان المسألة "تستخدم فقط كورقة سياسية"، مضيفا "لا مجال لتوطين الفلسطينيين الا اذا منحوا الجنسية اللبنانية (...) ونحن نؤيد اللبنانيين في رفضهم القاطع للتجنيس".
ويبلغ عدد الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) في لبنان حوالي 500 الف بحسب ارقام جديدة صدرت الاثنين عن مجلس النواب اللبناني، الا ان المسؤولين يجمعون على ان عدد المقيمين الفعلي لا يتجاوز الثلاثمئة الف، اذ ان الذين ينتقلون الى الاقامة في بلد آخر لا يبلغون الاونروا.
ويتمسك اللبنانيون بان مسؤولية الاهتمام بالفلسطينيين تقع في الدرجة الاولى على المجتمع الدولي.
وذكر النائب روبير غانم الاثنين ان "ميزانية الاونروا العامة في المنطقة هي بحدود 500 مليون دولار ينال لبنان منها فقط 70 مليون دولار".
ويقول كنعان "لا تستطيع كل الدول المانحة تأمين حاجات اللاجئين الفلسطينيين، فيما ينتظر من لبنان، البلد الصغير الغارق بالديون، ان يؤمنها وحده (...) هذا مضحك مبكي".
ويضيف "الشباب اللبناني لا يتحمل ثمن شراء شقة في بلده ويهاجر للعمل في الخارج، وحكومتنا تعاني عجزا في صندوق الضمان الاجتماعي يصل الى 550 مليون دولار".
ويختم "يجدر بنا ان نفكر في لبنان اولا".