غادرت اليمن صغيرا نحو السعودية: لا تذهبوا هناك

خوف وحنين

صنعاء - كان علي حسن سالم يبلغ من العمر 10 سنوات عندما تم الاتجار به إلى السعودية. وعن الأسباب التي دفعته إلى ذلك المصير، قال الصبي "انقطعت عن المدرسة عندما كبرت قليلاً وبدأت عندها بتنظيف السيارات". ولأنه لم يكن يستطيع جني سوى القليل من المال في اليمن وبعد سماعه عن فرص العمل في السعودية، قرر علي أن يجرب حظه هناك.

وعن رحلته قال "تعتبر المنطقة الحدودية الفاصلة مكاناً قاسياً للغاية تنتشر فيها الحيوانات البرية والعصابات الإجرامية. وقد كنت محظوظاً لأنني لم أتعرض لأذىً هناك".

وفي جازان داخل الحدود السعودية وجد علي عملاً في موقع بناء، وقال "لم أكن أكسب الكثير من المال وبعد الإنفاق على الطعام، كنت أوفر 200 ريال سعودي [55 دولاراً] فقط. لقد كان العمل شاقاً وكان السعوديون يعاملوننا بقسوة".

وبعد شهر من العمل الشاق والنوم في منزل مهجور برفقة بعض الرجال من مصر والصومال، قرر علي العودة إلى دياره قائلاً أنه كان يشعر بالخوف طوال الوقت، والحنين لأسرته.

ولكنه تعرض للتوقيف على يد الشرطة السعودية على الحدود، ووصف تلك الحادثة بالقول "لقد حاولنا الهرب ولكننا تعرضنا للضرب بالأحزمة والهراوات وقضيت بعدها ثلاثة أيام في مركز اعتقال".

واليوم ينصح علي أي طفل يمني بعدم الذهاب إلى السعودية للبحث عن عمل قائلا "لا تذهبوا إلى هناك فهذا عمل خطير للغاية والعديد [من الأطفال] يرجعون إلى ديارهم مدمرين".

ولكن مع تزايد الفقر ووقف إطلاق النار الهش في الشمال، تتزايد المخاوف من ارتفاع معدلات الاتجار بالأطفال.

دوريات الحدود

لا توجد أرقام موثوقة حول الاتجار بالأطفال من اليمن. ولكن إحصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تفيد بأن عدد الأطفال الذي تم الاتجار بهم إلى السعودية انخفض من 900 طفل عام 2008 إلى 602 طفل عام 2009 بسبب حملات التوعية والتعاون بين السلطات اليمنية والسعودية في هذا الشأن.

مع ذلك، يعزو آخرون الانخفاض إلى تعزيز دوريات الحدود السعودية بسبب الصراع في الشمال. وفي هذا السياق، قال جمال الحدي من جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية، وهي منظمة محلية غير حكومية "إذا تم رفع القيود [المفروضة على الحدود]، فإن الأرقام سوف ترتفع مرة أخرى".

كما تخشى منى علي سالم، من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، من أن يدفع الفقر العديد من النازحين إلى إرسال أطفالهم إلى العمل عندما يبدأوا بالعودة إلى ديارهم في صعدة، قائلة "اشعر بالقلق من أن يتم إرسال الأطفال للعمل في المدن الكبرى وفي السعودية".

ويرى الحدي كذلك أن الاتجار بالأطفال مرتبط بالفقر. "فالوضع الاقتصادي سيئ في اليمن والكثيرون فقدوا منازلهم وسبل رزقهم بسبب الحرب [القتال المتقطع بين القوات الحكومية والمتمردين بقيادة الحوثي في الشمال منذ عام 2004]".

وكانت دراسة أجريت عام 2008 من قبل جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية بعنوان "تحليل حالة الاتجار بالأطفال" قد أشارت إلى أن 70 إلى 80 بالمائة من الأسر التي شملتها الدراسة أرسلت أطفالها بعيداً بسبب الفقر.

وأضاف الحدي أنه "عند عودة العديد من الأشخاص إلى ديارهم، لن يكون لهم خيار سوى إرسال أطفالهم إلى السعودية أو الانخراط في عمليات التهريب في ظل عدم توفر أي عمل آخر هناك. ولذلك سوف يعتمدون على أطفالهم في الكثير من الحالات لجني المال".

استغلال الأطفال

أوضح الحدي أنه بينما يتم تهريب الأطفال إلى السعودية للعمل هناك يقوم الأطفال أنفسهم أيضاً بتهريب البضائع عبر الحدود، مضيفاً أنه على الرغم من غياب الإحصاءات الدقيقة، إلا أن التقديرات تشير إلى أن ثلثي الأطفال الذين يعيشون في المناطق الحدودية في حرض منخرطون في عمليات التهريب. ففي الوقت الذي قد يواجه فيه الراشدون أحكاماً بالسجن لسنوات طويلة، لا يتعرض الأطفال لمثل هذه الأحكام.

غير أن هذا العمل خطير للغاية وغالباً ما يترك الأطفال اليمنيون دون ما يكفي من التعليم، إذ أوضح الحدي أن "الكثير من الأطفال يتركون المدرسة لأنهم يعملون في الليل. وفي بعض الأحيان تتخذ السلطات السعودية إجراءات صارمة ضد التهريب. وعند محاولتهم الهرب، يتم إطلاق النار عليهم أحياناً مما يؤدي إلى إصابتهم أو مقتلهم".

وفي زيارته لقرية الخضور على الحدود اليمنية في عام 2008، تم إبلاغ الحدي أن القرية تضم مئات الأطفال المعوقين نتيجة إصابتهم بأعيرة نارية أو دهسهم من قبل الدوريات السعودية أثناء محاولتهم الفرار.

ووفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة سي إتش إف إنترناشونال، وهي منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة تعمل من أجل إحداث "تغيير إيجابي طويل الأمد في المجتمعات ذات الدخل المنخفض والمتوسط في العالم"، أن ما يزيد عن 60 بالمائة من الأطفال الذين عملوا في السعودية كانوا عرضة للإيذاء البدني وأكثر من 10 بالمائة منهم كانوا عرضة للاستغلال الجنسي. كما كان الآباء والأمهات السبب في دفع الأطفال إلى التسلل إلى السعودية في أكثر من 80 بالمائة من الحالات.

مساعدات التعليم

وللمساعدة في الحد من الاتجار بالأطفال، تسعى منظمة سي إتش إف إنترناشونال بالتعاون مع جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية ومن خلال برنامج "أكسس بلاس" إلى العمل مع خمس مدارس حكومية قرب مخيمات المزراق الثلاثة للنازحين في مديرية حرض في محافظة حجة للوصول إلى الأطفال النازحين فضلاً عن الأطفال المعرضين لخطر الاتجار في المجتمعات المضيفة.

وتتمثل الخطة في توفير التعليم الابتدائي لما لا يقل عن الفي فتى وفتاة تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عاماً، 70 بالمائة منهم من النازحين و30 بالمائة من أطفال المنطقة. كما أن هناك خططاً لتوفير فرص عمل لـ500 يافع تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، 30 بالمائة منهم من سكان المنطقة و70 بالمائة من النازحين وذلك من خلال برامج التعليم غير النظامي والتدريب المهني.

ولتقديم المزيد من المساعدة في الحد من ظاهرة الاتجار بالأطفال وتهريبهم ومكافحتها، تقوم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بدعم مدرسة يرموك المزراق (التي تقع بالقرب من مخيمات المزراق الثلاثة) والتي يرتادها 1250 طفلاً نازحاً. وقد قامت السلطات المحلية أيضاً بتسجيل 299 طفلاً نازحاً آخراً في مدارس أخرى في مديرية حرض. (إيرين)