أدباء في الجزائر يتخاصمون حول المتنبي

إني أغني منذ حين وتشرب

الجزائر ـ نشرت صحيفة "الشروق" الجزائرية قبل أيام سجالا فكريا حول أثر الشاعر العربي أبي الطيب المتنبي في اللغة والأدب العربيين. ودشن هذا السجال الكاتب الدكتور أمين الزاوي بمقال نشره في 30 يونيو/حزيران الماضي بعنوان "لهذا أنا لا أحب المتنبي ولا ابن خلدون"، أكد فيه أن الصورة النمطية المأخوذة عن المتنبي فيها كثير من القدسية غير المبررة.
وقال الزاوي: "لقد راكم لنا التاريخ العربي للمعرفة، عبر القرون المتلاحقة من تاريخ الكتابة البيانية، جملة من القناعات والإيمانات المغلوطة والخطيرة على الفكر والتفكير، ومن خلال هذا الركام صنع لنا هذا التاريخ صورتين كبيرتين مقدستين تصل إلى حدود التأليه الديني لإسمين، شغلا طبقات الفهماء لقرون طويلة، أحدهما في المعرفة الشعرية وأقصد به الشاعر أبا الطيب المتنبي، والثاني في المعرفة العقلانية التاريخية وأعني به عبد الرحمن بن خلدون. والصورة التي صنعها العقل العربي النقلي (العنعني) لهذين العلمين بما تحويه من تقديس وتبجيل وتأليه صورة فوق النقد".
وأشار إلى أن التقديس الذي صنعه العقل العربي البياني "الوراثي" حول هذين العلمين حجب كل نقد وكل مراجعة، وقال: "أقرأ هذا البيت للمتنبي شاعر العرب والعربية الأول فأصاب بالدوار الفكري، يقول مخاطبا سيده ومولاه كافور بعد أن أعطاه كما تقول الروايات ست مائة دينار ذهبا ووعده بـ "ولاية" أو "وزارة" أو "مزرعة"، يقول المتنبي في قصيدة مدح تأليهية طويلة (وتمعنوا جيدا في البيت): أبا المسك هل في الكأس من فضل أناله؟ ** فإني أغني منذ حين وتشربُ أقرأ هذا البيت الذي يمثل قمة التذلل والحقارة والتملق، وأدعوكم لقراءته جيدا والإمعان فيه، أقرأه وأقول: أهذا هو متنبي الشعر العربي، أهذا هو من تنسب إليه اللغة العربية رمزيا فيقال "لغة المتنبي"؟
وأضاف: "أعيد قراءة هذا البيت، لشاعر جعل التاريخ الأدبي شعره قريبا من مرتبة (كلام الله)، حجة في النحو والبلاغة والوزن والصورة والمعنى، وأشعر بأننا نحن العرب، والمقصود هنا طبقة المثقفين ومنتجي الأفكار والنصوص واللغة، نبني تاريخ ثقافتنا على أسس (كاذبة) أو خاضعة لـ (وراثية) في الفكر على مقياس الوراثية في الخلافة"، على حد تعبيره.
وأرجع الأمين عدم تذوق الغرب للشعر العربي الكلاسيكي إلى البلاغة الوصفية وهيمنة المديح والهجاء عليه، وأشار إلى دور المتنبي في ذلك، وقال: "لا يتذوق القارئ الأجنبي الشعر العربي، لكون هذا الشعر حمل البلاغة الوصفية أكثر ما حمل الفكر الوجودي بالصورة واللغة، وحين يحمل (فكرا) لا يبرح جغرافيا (المديح) أو (الهجاء) وبيت المتنبي الذي ذكرته أعلاه خير صاعقة، أزيد من 90 بالمائة من شعر المتنبي هو شعر مدح في سيف الدولة وكافور وعضد الدولة والقياد والولاة وأولي نعمته".
وتابع: "قضى المتنبي حياته كلها لاهثا وراء السلطة والسلطان والمال. قضى حياته باحثا عن منصب (حاجب) أو (وال) أو (رئيس الحاشية)، لم تكفه سلطة البيان والشعر والبلاغة، بل كان يرغب في سلطة المال والسياسة، فوظف خطابه الشعري لذلك. لم يكن معارضا ولا متمردا (بمفهوم لغة عصره) بل كان على أعتاب السلطان يدلق قلمه في حبر المذلة والمهانة والتملق، ما كانت له شجاعة بشار بن برد أو أبي نواس المسكونين بحيرة الوجود لا حيرة (الجيب).
وهذا أبونواس يقول: يا ناظراً في الدين، ما الأمرُ؟
لا قدَرٌ صح ولا جبرُ
ما صح عندي من جميع الذي
يُذكَرُ إلا الموتُ والقبرُ"
وقد رد على الزواي بمقال غاية في الفصاحة والبلاغة الكاتب والإذاعي الجزائري المعروف مقدم برنامج "خاتم سليمان" سليمان باخليلي في مقالة له بعنوان: "قوسٌ على قوس"، انتصر فيها للغة المتنبي وأهميتها في التاريخ اللغوي والأدبي في العالم العربي.
وقال باخليلي: "أود أن أنبه إلى أنني لا أنصب نفسي هنا أبداً محامياً عن رجل عظيم لا يُعْوزه دفاع ولا يحتاج إلى محام، فهو بالنسبة للغة العربية إحدى رئتيها اللتين تتنفس منهما، وهو بالنسبة للإنسان العربي القح إحدى شفتيه اللتين يتكلم بهما، وبالتالي فأنا أصغر من الدفاع عن المتنبي، وهو أكبر من قدح (الأمين) فيه!".
وأرجع باخليلي هجوم الأمين على المتنبي إلى أصوله الماركسية، وقال: "مازلنا بعد مرور عشرين سنة عن سقوط المعسكر الشيوعي لم نتخلص بعدُ من أفكار سلامة موسى وأحمد لطفي السيد وغالي شكري اليسارية، التي تتخذ موقفاً عدائياً من أبي الطيب بحجة أنه شاعر برجوازي مضاد للطبقة الكادحة التي كان ينبغي حسَب رأيهم أن يتخندق إلى جانبها، وأنه كان عليه أن يَنظِمَ شعره بلغة السوقة في عصره، وبِِرطانة مغنيي (علب الليل) في عصرنا حتى ينال رضاهم!".
وأضاف: "يذهب هؤلاء المتطفلون على ماركس أبعدَ من هذا عندما يستكثرون على أبي الطيب أن ينام ملء جفونه عن شواردها، لأنهم يشفقون على طبقة البروليتاريا أن تقضي ليلها ساهرة تختصم جراء بديع شعره ومعجز لغته، بينما يتوجب عليها حسبهم أن تسهر على موائد الخمر، وتنام على زجاجات النبيذ، وتصحو على أنغام (الويسكي? اوري والبيرة عربية) حتى تنسى خيباتِها وأحزانَها! ولذلك لم أستغرب أن لا يجد (الأمين) ما يستشهد به عما أسماه بالحيرة في الوجود سوى ما تجرأ به أبو نواس على الله في قوله الذي وافق هـوًى في نفس الدكتور: يا ناظراً في الدين، ما الأمرُ؟
لا قدَرٌ صح ولا جبرُ
ما صح عندي من جميع الذي
يُذكَرُ إلا الموتُ والقبرُ"
وبعد أن دافع باخليلي عن المتنبي عن إعراضه عن شرب الخمر التي قال بأنه لم يذقها طوال حياته كما تُجمِع مختلف الدراسات التاريخيـة "اعتباراً منـه أن شُربها من معايب المروءة ومَناقِص الرجولة، ويتناقض مع العقـل الذي يتحدث عنه الأمين" هو الذي ألب عليه جماعة سلامة موسى التي لا تجف كؤوسها ولا تكاد تصحو من شرب حتى تدخل في شُربِ! قدم تفسيره لبيت المتنبي في مدح كافور، الذي استدل به الأمين على مذلة المتنبي، وقال: "فالمتنبي يغني بينما كافور يشرب، وهو هنا في مقام تعريض بكافور وبنسبه الغريب عن المجتمع العربي، لا في مقام مدح كما فهِمَ (الأمين)، حيث أن صفة البخل لا يمكن أن تجتمع مع نفس عربية أبية أبدا".
وأضاف: "إن منطق سلامة موسى وأتباعه يريد من المتنبي أن يُعجمَ لسانه، ويكسر سيفه، ويستبدل بجواده العربي الأصيل حماراً مدبوراً، وأن يقضي حياته حافياً عارياً يبيت على الطوى ويظله، حتى يصل لمثل الحالة التي يجد فيها الأديب الأريب الأمين الزاوي نفسه في حالة بطالة، ويجـد العبد الضعيف نفسه فيها مجرد (حيطيست)، ويجد الشاعر عثمان لوصيف نفسه فيها عاجزاً عن شراء علبة دواء، ويجد فيها الدكتور شريبط أحمد شريبط نفسه يواجه الموتَ يومياً بصدر عارٍ، ويُضطر فيها الشاعر أبوبكر زمال إلى عـرض كليتيه للبيع حتى يتمكن من شراء الخبز والحليب لأبنائه!". وفيما يبدو أنه تعريض مباشر بالأمين نفسه.
قال باخليلي: "وإذا كان (الأمين) يَعيبُ على المتنبي ارتماءه في أحضان السلطة مادحاً متملقاً فلأنه كان يرى نفسه أجدر من كافور بمنصبه، تماماً كما لو أن الدكتور (الأمين) دعته هِمتُه يوماً أن يرى نفسه أحق من زنوبيا بعرش تدمر، وأجـدر منـ (ـهـا) بهضبة العناصر، حتى وإن اضطرته الظروف في سبيل ذلك أنْ .. وأنْ .. وأنْ .. وأنْ يحمل معطفـ (ـها) ويمشي على استحياء خلفها؟!
فلماذا يَعيبُ (الأمين) على أبي الطيب طموحَه المشروع كمثقف في أن يتبوأ مكانه الطبيعي في الطليعة؟ ولماذا يَقدِحُ فيه أنه "ينام ملء جفونه عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم؟"، على حد تعبيره. (قدس برس)