أما آن أوان الثورة في العراق؟

بقلم: زاهر الزبيدي

سؤال ليس غريبا في زمن الغرابة والدهشة.. ماذا نفعل إن حدثت ثورة؟ من يقودها إذا كانت هي ستقوم على رؤس القادة وكيف ستنظم؟ وعلى من سنثور، هل سنثور على أصابعنا البنفسجية، فاللذين أمامنا لم يأتوا الساعة من كوكب آخر فنحن منذ سبع سنوات ندللهم بدمائنا قبل أصابعنا البنفسجية.
فأغلب القائمين بها لم يعاصروا ثورات بيضاء ولا حمراء.. فما من عراقيّ أشترك بثورة إلا وقتل على يد من ثار عليهم.. وفي أذهاننا ثورة واحدة ألا وهي الانتفاضة الشعبانية والتي سحقت بقسوة تحت عجلات قطار الديكتاتورية وقتل جميع من قام بها ومن لم يقم بها ومن كان واقفا بقربها وحتى من كان يفكر بها ويحلم وحتى سابع جد كما يقال، إذن هل نلزم بيوتنا ونضع أطفالها تحت جناحنا ونسكت بانتظار البيان الأول الذي سنكون مشتاقين له لأننا منذ زمان لم نسمع ذلك البيان الأول وعلى أي قناة سيبث هل هي قنوات شرقية أو غربية.. شمالية أو جنوبية ولأي جهة من تلك الجهات سيتبع الثائرون وما هي ملابسهم هل هل عسكرية أم مدنية وما نوع السلاح الذي سيحمله الثائرون هل هي بنادق اميركية أم هي الفالة والمكوار أم هي الحجارة على غرار أهلنا في فلسطين.. قد لا تكون ثورة قد يكون انقلاباً دموياً يطيح بالفقراء أولاً ولا يطيح بغيرهم ثانياً. وماذا لو فشلت الثورة أترانا نهيم من جديد على بقاع المعمورة نبحث عن جحر ليؤوينا وأهلينا.
على الرغم من أننا نحلم بالثورة كثيراً إلا أن حلمنا ما هو إلا كابوس يراودنا ليجتث من صدورنا الأمل بالحياة وحلمنا هذا لا مجال الى أن يفضي الى حقيقية.. لقد أزف العمر ولم يعد هناك مجالاً إن تستمتع بالانتصار الثوري وأنت ترى قائد الثورة وهو يشكل الحكومة الانتقالية الجديدة لحين أجراء الانتخابات البرلمانية الجديدة. قد لا يكون من المنصف أن تكون هناك انتخابات.. لقد مللنا منها بعد أن تغير وجهها الجميل الى عبوس قطوب لم نحصل منها على بارقة الأمل الموعود بالحياة الحرة الكريمة.. كريمة ليست لنا بل لأطفالنا ومن يأت بعدنا من أجيال نراهم على حالنا وهم يخوضون في دمار الوطن حد الركب.
وإذا حدثت الثورة فكم من قاتل سوف يدخل صفوفها وكم سارق سوف يكّبر بين جموعها وكم من منافق سوف يرفع لافتات التأييد وقد يكتبها بدمه قد يخرجوها عن معناها وتصبح ثورة للحوسمة (العراقيون يطلقون لقب "حوسمة" على عمليات النهب التي صاحبت الغزو الاميركي والكلمة مشتقة من الاسم العراقي الرسمي للحرب - الحواسم) بمعالم جديدة حوسمة ديموقراطية فيدرالية. أنها لحيرة كبيرة نقف أمامها ونحن عاجزين عن ما سنفعله إن حدثت الثورة.
الثورة.. نائمة كحلم في رؤوس العراقيين الكبيرة منها والصغيرة.. أنها ذلك البركان الغافي تحت صخور الفوهات.. الثورة طالما راودتنا منذ زمن بعيد ولكن العم سام أوصلنا لنتائجها بدون الحاجة الى أن نخرج عن بكرة أبينا على الرغم من اننا لا نزال ندفع الثمن، فنحن منذ عقود كثيرة نحلم بالثورة التي تطيح بعروش الظالمين ولكنا دأبنا على تأجيلها جيلاً بعد جيل فأوكلها أبائنا لنا وكدنا أن نؤكلها لأبنائنا حيث لأصبحت أرثاً نتداوله جيلاً بعد جيل.
واليوم يبرز هذا الحلم ليصبح حقيقية فشرارتها الأولى اندلعت في البصرة حين خرج رجالها معبرين عن ثورتهم على الرغم من أنها لم تكن لتشمل حزمة العناصر القاسية التي تسببها الثورات على مر الزمن وإنما بمطلب بسيط يدعى الكهرباء وهو ليس سوى مطلب بسيط وضمن حدود الحاجات الفعلية للشعب كفلها له الدستور العراقي والكهرباء أيها السادة قد تكون سبباً حتى سميت بالثورة الكهربائية على الرغم من أنها ليست هي المشكلة بل المشاكل كبيرة والحلول لها محدودة على الرغم من إيرادات النفط التي تتضاعف شهراً بعد شهر. لم يمر زمن على الكرة الأرضية أن تكون هناك ثورة من أجل خدمة معينة والثورة تلك اذا ما حدثت وسميت بالثورة الكهربائية فأننا نفرغ تلك الانتفاضة الجماهيرية من محتواها العظيم ونقلل من شأنها لكونها الخطوة الأولى على طريق المجابهة الحرة الديمقراطية بين الشعب وحكومته وهي من ستعبد الطريق وتدفع بالمواطن الى أنتزاع حقه الشرعي في العيش بكرامة وهي أول تهديد سيجابه الحكومات المقبلة وتدق ناقوس الخطر لديهم أن الجياع سوف لم يبقوا صامتين وأن ثورتهم ستطيح بكل شيء والويل من ثورة جياع الذين طال على جوعهم الأمد.. لقد عرفنا الطريق الى الحرية وعمدناه بدمائنا وأرواح فلذات أكبادنا وسيكون الشعب هو الفاعل الحاسم في العملية السياسية.. ونعتقد جازمين أن شعبنا الذي كان تواقاً أن يثور سيخرج كل ما لديه أمام ساسته وسيستعرض قوته التي ستفوق تصوراتها.
أنكم لم تعطوا للشعب مجالاً أن يمارس حياته بكرامة وحرية وأجبرتموه على الخروج الى الشارع كي يعبر عن نفسه الكتومة التي أرعبها الخوف من كل الأنظمة التي حكمت العراق وبما فيها أنتم.
لقد كابد العراقيون كل أنواع القهر والإذلال على أيدي جلاديه وعلى الرغم من أن عمره أطول من عمر جلاده إلا أن الجلاد قد مات وأثر السياط لا زالت تلهب ظهره إذا لم نقل أنكم قد استلمتم سوطه واستمتعتم بذلك الجسد العاري الذي يتلظى ويشيط ولكنه سوف يسحب السوط منكم يوماً بفعل عاصف جبار ينهي كل أزماتكم السياسية التي أدخلت أنفسكم بها ولم تتورعوا عن الاستهتار بأحلام ثلاثين مليون عراقي يقاسون مرّ الحياة تحت خط الفقر المدقع.. وتضرب رؤوسهم مطارق الشمس يومياً بحثاً عن قوة يومهم وكفاف حياتهم.. أبقوا كما أنتم عليه تتباحثون.. وتتباحثون ونحن ننزوي يومياً في المساء على وسائد فقرنا نلعق جراحات النهار المؤلمة في ليل بغداد الموحش.. ولكن سنثور يوماً وستنحني أمام جبروت ثورتنا حتى البنادق. زاهر الزبيدي zzubaidi@gmail.com