عن غياب الدولة العربية وغياب النظام العربي

بقلم: ماجد كيالي

كما هو متوقع فإن اجتماع القمة الخماسية (طرابلس 28/6)، لم يتمخّض عن جديد لجهة تفعيل النظام الرسمي العربي وتعزيز مجالات العمل العربي المشترك. وتفسير ذلك يكمن في أن التعاطي مع هذه الشؤون يتم بطريقة عكسية (كوضع العربة أمام الحصان)، لاسيما أن المشكلة لاتكمن في النظام العربي بحد ذاته، لأن هذا النظام، وبكل بساطة، غير موجود كوحدة سياسية متعينة، إلا من الناحية الشكلية؛ فعدم وجود ظاهرة معينة، يعني بداهة عدم وجود مشكلة أصلا.
وللإيضاح فإن هذا الكلام لايفيد البتّة بانعدام جدوى، أو شرعية، أو ضرورة، نشوء نظام عربي (بمختلف الأشكال الممكنة واللازمة)، ولكنه يفيد بتعيين المشكلة، بدل الهروب منها إلى الأمام. وربما يفيد، أيضا، بلفت الانتباه إلى أن الحديث عن النظام العربي، أو العمل العربي، أو الوحدة العربية، ليس أمرا بديهيا، ولا حتميا، وإنما هو أمر له إشكالياته، ومتطلباته، ومحدداته؛ إن تم التكيف معها انوجد، وإن تم حجبها انحجب.
وفي الواقع فإن الحديث عن مشكلات النظام (والأصح اللانظام) العربي يوحي، مراوغة، وكأن الوحدات السياسية المحسوبة على هذا النظام باتت بمثابة كيانات منجزة، لكأن هذه الوحدات لاتكابد على الصعيد الداخلي من مشكلات الشرعية والهوية والمواطنة والتنمية، ولا تكابد على الصعيد الخارجي من مشكلات التكيّف العالمي، في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والتكنولوجيا.
معنى ذلك أن تجاهل هذه المشكلات لا يفيد ببناء نظام عربي، ناجز وفاعل، بل إن التجاهل هو من العوامل التي تعوق، وتحجز، إمكان نشوء هكذا نظام. فضلا عن ذلك، فقد أثبتت التجربة بأن عدم الحسم، كما التخبّط، في معالجة المشكلات الداخلية يؤثر سلبا، ليس فقط على قدرة الوحدات السياسية العربية على التفاعل الايجابي والبنّاء فيما بينها، وعلى مدى مواكبتها للتطورات الدولية، وإنما، أيضا، وربما بصورة اكبر واخطر، على تماسك هذه الوحدات واستقرارها وشرعيتها.
وبصورة أكثر تحديدا، فمن الصعوبة التفاؤل بإمكان نشوء نظام عربي، في ظل انقسام الفلسطينيين ("السنّة") بين حركتي "فتح" و"حماس" (تحت الاحتلال!)، وفي ظل الانقسام "السني" و"الشيعي" في العراق، والتنابذ الطائفي والمذهبي في لبنان، واحتمالات التشظيات الكيانية في السودان واليمن (الواحد!)؛ دون أن ننسى الخلافات الجانبية السياسية بين الجزائر والمغرب، والحدودية بين بعض دول الخليج، وحتى "الكروية" بين مصر والجزائر؛ في وضع يندر فيه عدم وجود خلافات حدودية وسياسية ومصلحية بين دولة عربية وأخرى، مجاورة لها!
على ذلك يبدو أن المدخل الصحيح والإجباري لإرساء نظام عربي يمر عبر تأهيل الوحدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي يفترض أن يتشكل منها هذا النظام، وهو أمر غير محسوم لدى "أولي الأمر" (على اختلافاتهم)، فضلا عن عدم جهوزيتهم له. فعلى المدى المنظور، على الأقل، تبدو القوى المتحكمة بأطراف هذا النظام جد حريصة على "الستاتيكو" القائم في وحداتها، بل وعلى حيازة كل وسائل وعوامل إعادة إنتاجه، أيضا؛ وهو ما نشهده في أكثر من مكان.
ناحية أخرى، يمكن لفت الانتباه إليها في هذا الإطار، وتتمثل في أن مشكلة نشوء نظام عربي فاعل لاتكمن، فقط، في إيجاد المداخل المناسبة (السياسية والأمنية أو الهوياتية أو الاقتصادية/المصلحية). بمعنى أن هذه المسألة لاتحلّ بمجرد قرارات سياسية، رئاسية أو ملكية، ولا بمجرد قرارات من مؤتمرات القمة، بدليل إخفاق عديد من المحاولات الوحدوية، وبقاء اتفاقيات وقرارات القمم العربية،وهيئات العمل العربي المشترك، مجرد حبر على ورق. أما المدخل الاقتصادي، المبني على إنماء قاعدة المصالح المشتركة، فهو على أهميته ومركزيته، إلا انه لايكفي وحده في الحث على إرساء نظام عربي (بمعنى الكلمة)، لاسيما إننا في وضع تسيطر فيه السلطات على المجال الاقتصادي، ما يجعل التقرير بشأن الجدوى أو العوائد الاقتصادية من اختصاصها، لا من اختصاص القطاع الخاص أو المجتمع المدني (لاسيما في ظل غياب هكذا وضع)؛ ما يعني أن السلطات القائمة هي التي تحدد استمرار العلاقات الاقتصادية أو الحد منها أو حتى قطعها. يبقى المدخل الهوياتي، فعلى الرغم من أهميته، إلا أن التجربة بينت عقم الاتكاء على هذا المعطى لوحده، بدليل أن التشظي لم يطل العلاقات البينية بين الدول العربية، فحسب، وإنما طاول المجتمعات في كل بلد عربي، على حدة، أيضا.
الآن، في ظل تصاعد الحديث عن الديمقراطية وسيادة نوع من اعتقاد بأنها بمثابة وصفة مناسبة لمعالجة كل الأزمات، ثمة من يرى في الديمقراطية، معبرا لابد منه لنشوء نظام عربي، لكن تجربة إقامة نظم إقليمية، في ظل وحدات سياسية لاتنتهج الديمقراطية، أثبتت غير ذلك؛ مع التأكيد على أهمية الديمقراطية، ودولة المواطنين، في إرساء مسار التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن معضلة نشوء نظام عربي، بمعنى الكلمة، إنما ترتبط أساسا، وبشكل وثيق، بالعوامل المكونة للدولة (أو اللادولة) العربية. ففي هذا الواقع يصعب (على الأغلب) الحديث عن دولة بمعنى الكلمة، حيث ثمة سلطات تحتكر المجال العام، الدولتي والاجتماعي، ومن خلال ذلك فهي تحتكر مجالات السلطة وأدوات التحكم بالشأن العام، المالية والتشريعية والتنفيذية. والمشكلة أن معظم هذه السلطات هي فوق الدولة والقانون والمواطنين ("الرعايا")، وفوق المجال العام. بل يمكن القول انه لايوجد مجال عام في معظم البلدان العربية (وبالتالي ولا مجتمع مدني)، وإنما ثمة مجال خاص، في وضع تتحكم فيه السلطات السائدة بالبلاد والعباد في آن معا.
نستخلص من ذلك أن غياب المجال العام وحجب المجتمع المدني وتهمش الدولة (لصالح السلطة)، هو في أساس المعضلات التي تواجه نهوض الدولة في الواقع العربي، وبالتالي فهو في أساس تعثر ولادة نظام عربي طال انتظاره.
لذا وبكل صراحة فإن نقطة البداية، في التمهيد لنشوء نظام عربي، إنما تكمن في حل إشكالية السلطة والدولة في الواقع العربي، وفي بعث المجال العام، وإرساء دولة القانون والمؤسسات والمواطنين (وهذا يختلف عن الديمقراطية). ومن دون ذلك، أي من دون التحول إلى الدولة في الواقع العربي، من الصعب الحديث عن امكان نشوء نظام عربي؛ ألسنا أصحاب مقولة: "فاقد الشيء لايعطيه"؟! ماجد كيالي