الرأسمالية الأوروبية تتسلَّح بالعنصرية!

بقلم: جواد البشيتي

"العنصرية" تنتعش وتزدهر الآن في أوروبا؛ أمَّا المناخ الذي فيه تنتعش وتزدهر دائماً فهو الأزمة التي تعصف بالنظام الرأسمالي في الاقتصاد، فكلَّما تسبَّبت الرأسمالية بفقر شعبي عام جديد، يصيب العمال في المقام الأوَّل، رأيْنا الجَزْر في "العنصرية" يتحوَّل سريعاً إلى مدٍّ، ورأيْنا، من ثمَّ، أحزاباً ومنظَّمات سياسية تُسْرِع في استثمار رأسمالها الفكري والسياسي العنصري بما يعود عليها بربح شعبي وانتخابي وبرلماني جزيل، فالبحث عن "الشعبية الرخيصة"، أي عن كل شعبية متأتية من التعصُّب العنصري، وأشباهه، هو سمة جوهرية لكل جماعة سياسية (منظَّمة) تُعْجِزها مصالحها، أو مصالح الذين تمثِّلهم، عن اكتساب شعبية رفيعة.

قديماً، كان العامل الأوروبي لا يملك من الوعي إلاَّ ما يشبه "الغريزة"، فَيَفْهَم ويُفسِّر بؤس عيشه على أنَّه ثمرة "الآلة"، فيَصُبَّ عليها جام غضبه، وكأنَّ تحطيمها هو الطريق إلى الخلاص.

أمَّا الآن فتتوفَّر منظمات سياسية على تزييف أسباب معاناته، فـ "الآلة" بُرِّأت ساحتها لتوجَّه "التهمة" إلى "العامل الأجنبي"، أي المختَلِف عن رفيقه الأوروبي في الأصل أو الجنس أو العنصر أو اللون أو الدين..، فالعامل الأجنبي، برُخْص سعر قوَّة عمله، وحصوله على مساعدة مالية ومعيشية حكومية، يتسبَّب بما يعانيه (أو ببعضٍ مِمَّا يعانيه) العمال الأوروبيون من بطالة وفقر (نسبي) وتراجع في مستوى ونوعية عيشهم..

ويكفي أن يَقْتَنِع العامل الأوروبي بهذا التفسير (المجافي للحقيقة الموضوعية) لبؤس عيشه حتى يتحوَّل اختلاف العامل الأجنبي عنه في الجنس واللون والدين والثقافة والعادات والتقاليد.. إلى سبب للكراهية والعداء العنصريين، أو إلى سبب لنموِّهما؛ فلطالما رأيْنا نزاع المصالح (الاقتصادية) يلبس لبوس "العنصرية" وأشباهها.

الدول الأوروبية تُصوِّر وجود المهاجرين الأجانب في أراضيها على أنَّه العاقبة المترتبة على انتصارها لحقوق الإنسان على المستوى العالمي، فلولا هذا "السبب الأخلاقي والإنساني" لَمَا عَرَفَت أوروبا ظاهرة الهجرة إليها.

إنَّه زَعْمٌ ترجح فيه كفَّة الكذب على كفَّة الصدق؛ فإنَّ هجرة الأجانب (الآسيويين والأفارقة والعرب..) إلى أوروبا تُلبِّي حاجة (تشتد وتقوى) لدى الرأسمالية الأوروبية.

أرباب العمل الأوروبيين يحتاجون إلى العمل الأجنبي الرخيص، والذي لا يتمتَّع صاحبه بما يتمتَّع به العامل الأوروبي من حقوق اقتصادية واجتماعية ونقابية..؛ فتراجُع الربح، حجماً ومعدَّلاً، هو ما يشدِّد الحاجة لدى أرباب العمل الأوروبيين إلى استقدام العمل الآسيوي والإفريقي الرخيص (والضعيف من الوجهة الحقوقية) إلى أوطانهم.

ومع اقتران هذا العمل الأجنبي الرخيص بالبطالة (الأوروبية) ينجح أرباب العمل الأوروبيين في إحباط سعي العمال الأوروبيين إلى زيادة أجورهم بما يقلَّل الربح، حجماً ومعدَّلاً.

وثمَّة أعمال ضرورية؛ لكنَّ العمال الأوروبيين يزهدون عنها، فتشتد الحاجة، بالتالي، إلى عمال أجانب لديهم من بؤش العيش في أوطانهم الأصلية ما يحملهم على تأديتها.

وثمَّة حاجة لدى الرأسمالية الأوروبية إلى "أوْربة" كثير من "الأدمغة" الآسيوية والإفريقية والعربية التي ليس لدى أصحابها ما يغريهم بالبقاء في أوطانهم الأصلية؛ ونحن في العالم العربي خير من مدَّ، ويمدُّ، أوروبا والولايات المتحدة بالمواد الأولية والنفط والغاز و"الأدمغة" والديون.

و"الشيخوخة" التي تعاني من عواقبها الاقتصادية المجتمعات الأوروبية هي أيضاً سبب لاستقدام مزيد من المهاجرين الشباب، ومِمَّن لم يضعف لديهم الميل إلى التكاثر، كالمهاجرين المسلمين.

وعندما تعصف بالنظام الرأسمالي أزماته الاقتصادية (الحتمية) تشتد الحاجة لدى أربابه إلى وجود المهاجرين الأجانب بصفة كونه عامل بعث وتغذية للروح العنصرية، فالوعي الطبقي لدى العمال الأوروبيين والذي يمكن أن ينمو ويقوى في مناخ الأزمات الاقتصادية للرأسمالية لا بدَّ من إضعافه وإفساده من خلال بث سموم الفكر العنصري في عقول هؤلاء العمال.

إنَّ خير خدمة يمكن أن يسديها العمال الأوروبيون إلى أنفسهم هي أن يخوضوا صراعاً ليس ضد العمال الأجانب وإنَّما من أجل أن يتساوى هؤلاء معهم في الأجور، وفي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والنقابية..، فلو خاضوا هذا الصراع، ونجحوا فيه، لأضعفوا الحاجة لدى أرباب العمل الأوروبيين إلى استقدام مزيدٍ من العمال الأجانب إلى أوطانهم.

لو خاضوه، ونجحوا فيه، لرأيْنا مزيداً من رؤوس الأموال الأوروبية تهجر أوطانها لتستوطن "أوطان المهاجرين" والتي هي ينبوع لا ينضب للأيدي العاملة الرخيصة.

ظاهرة العمال المهاجرين من آسيا وإفريقيا والعالم العربي إلى أوروبا لا يمكن فهمها وتفسيرها إلاَّ على أنَّها حلٌّ لأزمتين معاً: لأزمة تراجع الربح، حجماً ومعدَّلاً، في أوروبا، ولأزمة عجز الرأسمالية في الأوطان الأصلية للمهاجرين عن التشغيل والتوظيف. جواد البشيتي